> مقالات

أحمد الحامد
كرم وشجاعة.. وقهر
أحمد الحامد |
2018-02-01



 



 



الكرم والشجاعة، مكملان لبعضهما، فلا يسْلم أحدهما دون الآخر، والشجاعة ليست كما صورها كتّاب التراث: ثم أخرج سيفه وشق صفوف الأعداء وقتل ألفاً!



يبدو أن كتّاب التراث والحكواتية كانوا يبرزون قصص الأقوياء عند التجهيز لكل معركة حتى يبثوا روح الحماس ويضيفوا من خيالهم ما هو مبالغ فيه ليصنعوا نمطاً للبطل، فيندفع المقاتل الذي يتصور أنه لا ولن يقتل.



لكل زمن شجاعته الواقعية، احترام الآخرين والصدق والوفاء بالوعد والصبر والصمت في بعض المواقع والتواقيت شجاعة.



أعود للكرم، الصفة التي أبلغ ما ذهب منها إلى أيادي المحتاجين دون إعلان، وتحمل حاملها شجاعة المواقف في فك عوز المظلومين، دون منّة أو مفاخرة.



 



يقول المتنبي ـ رحمه الله ـ 



وللنفس أخلاقُ تدل على الفتى 



أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا 



تعود عبقرية الكرماء إلى كونهم انتصروا للعطاء على حب التملك، وأخرجوا أنفسهم من تقييم العامة للأمور.



 



قيل إن المتنبي كان يميل إلى البخل، فقال له أصحابه بما معناه: إنك تثير استغرابنا فأنت الذي مدحت الكرماء نراك ممسكاً للمال، حينها روى لهم المتنبي حادثة التحول في حياته وقال بما معناه: عندما كنت صغيراً ذهب لشراء فاكهة وكان لدي سبعة دراهم، وكان ثمن الفاكهة بسبعة دراهم، وعندما سألت البائع بكم الفاكهة قال لي لا تملك ثمنها فأجبته بل أملك الثمن، فقال البائع بعشرة دراهم، فأثار ذلك غضبي وحزني وبقيت صامتاً، ثم شاهدت البائع يعدو نحو رجل قائلا له: ألا تريد يا سيدي أن أوصل هذه الفاكهة إلى بيتك؟ 



فقال الرجل: بكم؟ فقال البائع بسبعة دراهم، فقال الرجل بل بخمسة دراهم فوافق بائع الفاكهة على السعر، يقول المتنبي فقلت للبائع والغضب يتملكني، لماذا بعت الفاكهة للرجل بخمسة دراهم وقلت لي إنها بعشرة دراهم؟ فقال البائع ألا تعرف من هذا الرجل، إن لديه أكثر من مائة ألف دينار، يقول المتنبي لأصدقائه بعد أن روى لهم هذه الحادثة: حينها علمت أن العامة من الناس تعجب وتهاب وتخدم الرجل الذي يملك.



إن قناعة المتنبي إن صدقت الرواية لا تعد قاعدة ثابتة في وصف رؤية العامة، لكنها شبه عامة وهنا يقع المدخل الذي اخترق به الكرماء كل العصور، وجادوا بكل ما تمسك به الآخرون، وأحدثوا الفارق.