|


فهد عافت
قصيدة هي أعظم فيلم وأروع مباراة كرة قدم!
2017-09-06

ـ فتيات يتسامرنَ، وفجأة يظهر العاشق المتيّم، تريد المعشوقة أن تبيّن لصويحباتها أنه هو، وأنه يتبعها، يقطع المسافات لأجلها ناثرًا الشعر في كل الدروب، لكنها تُفاجأُ بمنظره، بهيئته الرّثّة، بنحوله؛ الأمر الذي قد يجرح كبرياء فتنتها أمام البنات!، تتورّط، فمن السهل على أي فتاة أخرى أن تقول: "هذا الذي تحدثيننا عن هيامه بك كل هذا الوقت؟!، أمره لا يستحق!، إنه أشعث أغبر يمكن لأي فتاة أن تسحبه وراءها بمجرّد ابتسامة!"، فماذا تفعل المعشوقة؟، هنا يحضر دهاء المرأة، بلفتة شعرية مذهلة، تختار من صويحباتها أقربهن إليها "ربما أختها"، ولها تتوجّه بالكلام: "انظري يا أسماءُ، هل هو المتيّم نفسه حقًّا؟، هل هو الذي كنتِ تصفينه بما يفوق الحسن حتى إن وصفك له يبقى في الذاكرة أبد العمر؟!"، مكمن الدهاء أنها ورّطت الشاهدة، فألزمتها بالدفاع عنه، وهو دفاع طرف ثالث، طرف يمكن قبول شهادته!، هنا تتدخّل أسماء: "نعم هو، لكن طول الزمن وكثرة ملاحقته لك أضناه وغيّره!"، إليكم الأبيات السينمائية الساحرة:

 

بآية ما قالت غداة لقيتها .. بمدفعِ أكنانٍ: أهذا المُشَهَّرُ؟!

قفي فانظري أسماءُ هل تعرفينه؟ .. أهذا المُغيِرِيُّ الذي كان يُذكَرُ؟!

أهذا الذي أطريتِ نَعْتًا فلم أكُنْ .. وعيْشُكِ أنساهُ إلى يوم أُقبرُ؟!

فقالت: نعم، لا شكَّ غيّرَ لونُهُ .. سُرى الليل يُحْيي نَصَّهُ والتّهَجُّرُ!

فإنْ كان إيّاهُ فقد حال بَعْدَنا .. عن العَهدِ، والإنسان قد يتغيّرُ!

 

ـ هنا يحدث ما يُسمّى بالمشهد السينمائي "قطع"!، فتنتقل الكاميرا إليه، تَحِلّ مَحلّ عيون المعشوقة بالضبط، ومن هذه الزاوية تراه، نحيل حدَّ أنه لا يُستبان إلا والشمس حاضرة!، أمّا في الليل فإن العين لا تراه إلا صغيرًا!، أشعث كأنه فقير، لولا ـ ويا لفتنة الشطرـ ما تكشف ثيابه عن العز والغنى والثراء!:..

 

رأتْ رجُلاً، أمّا إذا الشمس عارَضَتْ .. فيَضْحى، وأمّا بالعشِيِّ فيَخْصُرُ!

أخا سَفَرٍ، جَوَّابُ أرضٍ، تقاذفتْ .. بهِ فلَوَاتٌ، فهْوَ أشعثُ أغبرُ!

قليلٌ على ظَهْرِ المَطَيِّةِ ظِلُّهُ .. سِوَى ما نَفَى عنه الرِّدَاءُ المُحَبَّرُ!

 

ـ "أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أنتَ غادٍ فَمُبْكِرُ... غَدَاةَ غَدٍ، أَمْ رَائِحٌ فَمُهَجِّرُ"، مطلع واحدة من أجمل وأطيب ما كُتِب في الشعر الغزلي، فإن كان الغَزَلُ في هذه القصيدة عجيب، فإن الغَزْلَ فيها أعجب!، وفيه يكمن سرّ فرادتها واستثنائيّتها،..

 

ـ والمهم في الفن ليس الحِكْمة ولكن الإحكام!،..

 

ـ وعلى كثرة ما قرأتُ من شعر، لم أجد إحكامًا يمكن الشهادة له بتفوّقه على ما قام به عمر بن أبي ربيعة في رائعته "نُعْم"،، بما في ذلك المسرحيّات الشعريّة، التي ما زلت أعتبر عُمَراً آخر هو عُمَر أبو ريشة سيّدها الأوّل، وقد ذكرته هنا على أمل أن يُعاد إحياء مسرحياته الشعرية، بتجسيدها، أو بالتفتيش الأدبي في خفاياها، وكشف جمال انزلاقاتها، ولهاث أنفاسها، أما الكلام فهو عن قصيدة "نُعْم" لابن أبي ربيعة!.

 

ـ مساحة هذه الزاوية لا تسمح بسرد هذه القصة الشعرية مُحكمة النمنمات؛ فالأبيات فوق السبعين بيتًا، متلاحمة، متلاحقة، متواصلة كشريط سينمائي رشيق الإيقاع، تتنقّل فيه كاميرا المُخرج من مشهدٍ إلى مشهد، بمهارة سحريّة، تكشف عن أسماء أماكن "التصوير"، وتهتم بتفاصيل الأحداث المتلاحقة، حيث الألوان والظِّلال الكاشفة لطبائع الشخصيات: "سوى ما نفى عنه الرِّداء المُحبّرُ"، "ظِلّ غرفة"، "كِساءان من خَزِّ دِمَقْسٌ وأخضرُ"، اهتمام بتفاصيل تفاصيل لا يقوى عليها عباقرة النثر، جاء بها عمر بن أبي ربيعة، في سرد باهرٍ، تتخلله حوارات لا تدري كيف قدر عليها شعر محكوم بكل شروط القصيدة العمودية، مع عدم إغفال للحالات النفسية حسب حركة وموقع كل حدث، وحسب طبيعة كل شخصيّة، هذا وأنتَ إن سجّلتَ شخوص أبطال العمل في آخر الفيلم، ستجد أبطال وممثلي أدوارٍ ثانية بارعين، وعددًا كبيرًا من الكومبارس، منهم من تلتقطه الكاميرا عن قرب، ومنهم مجاميع تبتعد عنهم الكاميرا وتقترب منهم حسب حاجة المشهد إلى التكثيف المناسب!.

 

ـ دراما شعريّة فخمة، تُشِعّ من كل جانب، والأحداث قبل أن تكون متلاحقة بطرب، هي متلاقحة بعجب!.

 

ـ وتأكيدًا على أن كل جمال فني يثري بقية المجالات الفنيّة، فإنني على ثقة كبيرة، بأن محبّي كرة القدم، سيجدون في هذه الرائعة الشعريّة، المتعة ذاتها، والانبهارات ذاتها، التي يجدونها في تكتيكات اللعب المُتقَن، والمراوغات عجيبة المهارات، والتمريرات الساحرة، والأهداف الأسطوريّة!.

 

ـ يمكن أيضًا لقرّاء الشعر، التأمّل في هذا العمل الأدبي المدهش، وتقليبه على أكثر من وجه، ولسوف يجدون عجائب شتّى، فكل وجهٍ أحلى وأعلى من صاحبه وأدقّ وأرقّ!، فإن أخذتها على مأخذها الأول فلا أطيب ولا أعذب، وإن قلتَ: لا، "نُعْم" ليست امرأة ولكنها القصيدة، رأيت من علاقة الشاعر مع قصيدته ما لا أشهى منه ولا أبهى!، وإن تتبّعتها معتبرًا أن "نُعْم" هي الحياة، فلا أحسن ولا أحزن، مع ملاحظة أنه يلزمك في هذا التصوّر الأخير، التنبّه لما تكشف عنه آخر أبيات القصيدة، فللنّاقة هنا دور بطوليّ أصيل لا تكتمل الملحمة إلا به!.

 

ـ ومن هذه المعلّقة في القلب دائمًا، قفز أحد أشهر أبيات الشعر العربي، وإنْ كان على روعته وأحقيّته بما نال من شهرة، لا يكاد يفي بغرض:

 

إذا جئتَ فامنح طرْف عينيكَ غيرنا ... لكي يحسبوا أنّ الهوى حيث تنظرُ!.