> مقالات

أحمد الحامد
أحاديث المقاهي 3
أحمد الحامد |
2018-06-22



الزمان في أحيان كثيرة يحدد حجمك، وأحيانًا يحدد مصيرك بالكامل، أقول الزمان لأنه متغير، أما المكان فهو ثابت وما يتغير به هو الزمن، الزمن أيضاً ينتقل من مكان إلى آخر، بعض الأمكنة نسيها الزمن ونسي من بها، على الإنسان في كل وقت أن يسابق الزمان ويرتحل معه إذا ما استطاع.

وجودك في زمن ما يشبه الحظ الجيد والحظ السيئ، أحيانًا يكون الزمن في صالح قدراتك وتتهيأ لك الظروف وهذا حظ جيد، وأحيانًا تكون بنفس القدرات لكن الزمن مختلف وغير مهتم بما لديك وهذا حظ سيئ، هل سمعتم من أجدادكم أو آبائكم عن عدائين خارقين ولدوا وعاشوا وماتوا في الصحراء قبل عشرات السنين، وقبل أن تتأسس الأندية الرياضية التي تحتضن المواهب لتصبح نجوماً عالمية فتحقق الشهرة والثراء، مثل هؤلاء مئات الأمثلة في شتى المجالات، كانوا بقدرات مذهلة في زمن ليس بزمانهم، قبل أيام كنت أتحدث مع صديق عن فنان مغن، يعتقد بعضهم أنه قد مات منذ زمن لكنه حي يرزق، كان الحديث عن سبب أفول نجمه وتوصلنا إلى أن السبب يكمن في الزمن؛ لذلك تطورت الشركات من منتجاتها والعلماء من أبحاثهم والإعلام من أساليبه حتى لا يسبقهم الزمن ولا يعد الزمان زمانهم، أعود للحديث عن العجائز الإنجليزيات، كلما شاهدتهن في المقاهي الدافئة يرتشفن القهوة وهن في كامل أناقتهن بكامل التفاصيل من مكياج وشعر مصفف وخواتم وأصباغ الأظافر الملونة وملابس رائعة وسمعت ضحكاتهن، تذكرت حياة التعب التي عاشت بها جدتي وجدات الكثير منا رغم أنهن في عمر واحد، كان الزمان زمانهن وليس زمان جداتنا رحمهم الله وأطال بعمر من هن على قيد الحياة، بالمناسبة جدات الكثير من العجائز الإنجليزيات عشن في ظروف كانت صعبة أيضاً قبل أن ينعمن بفضل العلم والتطور والصناعة والطب، المقهى الذي أجلس به حالياً رغم أنه مقهى قديم جداً إلا أنه يسابق الزمن وطور من نفسه كثيراً، حافظ على أصالته لكنه يقدم خدمة الإنترنت المجاني ويستخدم أحدث ماكينات القهوة، الجو بارد جداً في الخارج، لم أرتدِ الملابس الكافية، خدعتني شمس الصباح الكاذبة، يجب أن أعود إلى البيت، سأبحث غداً عن مقهى آخر، هذه المدينة الصغيرة هي مدينة المقاهي.

علاقة الإنسان في المقاهي تتجاوز رغبته بشرب القهوة، يصبح الارتباط بالمكان، سأذهب غداً للمقهى البعيد، كان بيتاً صغيراً وحوله صاحبه إلى مقهى، كنت أشعر بالذين عاشوا به، ضحكاتهم، آمالهم، ودموعهم.