> مقالات

أحمد الحامد⁩
أيام لندنية 1ـ2
2019-01-20



كنت جالساً في أحد مطاعم الوجبات السريعة الواقعة في ماربل آرش، عند بداية شارع أوكسفورد، أقرأ الجريدة العربية وأشرب القهوة، كان ذلك في أواخر عام 1991، قال الشاب العربي الذي كان يجلس بجانبي، هل تسمح أن تعطيني صفحة من الجريدة التي معك وأعيدها إليك بعد قراءتها؟
قلت له أية صفحة تريد؟ قال الصفحة الاقتصادية، أعطيته ما طلب وقال لي شكرًا، كان شاباً بمثل عمري أو يكبرني بسنة أو سنتين ومعه كيس به ملابس مستعملة.. أعاد لي الصفحة بعد أن قرأها سريعاً وقال لي أحب الاقتصاد وعالم الأعمال، كنت طالباً جيداً في المرحلة الثانوية.. ثم سألني هل تريد أن تختبرني في الحساب؟ قلت له وكيف أختبرك؟ قال أعطني أرقاماً أجمعها لك في ثانية واحدة.. طلبت منه أن يجلس على طاولتي وبدأت أعطيه أرقاماً كبيرة حتى يجمعها ويطرحها ويضربها، كان إجاباته سريعة جدا، وحتى أتأكد من إجاباته أعطاني ساعته الإلكترونية التي بها آلة حاسبة، كان مذهلاً، وشعرت بأنني أمام نابغة في الرياضيات، ثم سألني: هل تعلم أين تجلس أنت الآن؟ قلت له نعم في المطعم، قال ما قصدته هو ماربل آرش وبداية شارع أوكسفورد، ثم بدأ يذكر لي أسباب تسميات الشوارع المحيطة، وأبرز الشخصيات التي عاشت بها، كان سرده للتاريخ متصلاً ومرتبطاً ببعضه البعض، كان صوته هادئاً وأسلوبه يوحي أن عقل هذا الشاب يسبق عمره بسنوات كثيرة، قال إن لندن مدينة قديمة وفي شوارعها تجد مئات الحكايا والقصص عن الأحداث والشخصيات، قال إنه على استعداد أن يحكي لي عن حياة أصحاب التماثيل التي توجد في الشوارع إذا أحببت، قمنا في جولة نحو المحيط القريب، بدا وكأنه دليل سياحي يعرف التفاصيل التاريخية عن المكان، الشوارع والتماثيل وأبرز الساكنين، ثم سألني عما أحب من القراءات، قلت له أحب الأدب العربي، وما إن ذكرت له ذلك حتى حكى لي عن بدايات الشعر العربي ونشأته، وكيف كانت أشكال الشعر العربي حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن، ثم أسمعني العديد من أبيات الشعر وفسر لي معاني بعض كلماتها، ثم حكى لي عن أبرز سبع قصائد كتبت قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام وعلقها العرب على جدران الكعبة في مكة.
كنت أستمع وأنا مسحور بكمية المعلومات التي يعرفها والقصائد التي يحفظها، كنت أشعر وأنا أستمع إليه بأنني أمام نابغة نادر، وموسوعة تمشي على الأرض.
وللكلام بقية.