> مقالات

فهد عافت
مسرى الغرانيق: البطل!
2019-03-04



ـ مزيد الحنفي، الطّيّب، حلو الخطّ منمّقه، عاشق الكتب للدرجة التي يُمكن معها لصِفَة الطيّب فيه أن تتراجع قليلًا، حيث إنه وأمام رؤية المكتبة في المستشفى راح يتمنّى أخبارًا أقل سرورًا فيما يخص شيخه المريض لتتاح له فرصة الانقضاض على الكُتُب!.
ـ مزيد الحنفي الذي أخذ عن جَدّه طريقةً في إنشاد الشعر عجائبيّةً، تُوقِف النّحل عن بناء مساكنه في الشجر مُنْصِتًا!. ومن شمّا الوائليّة احتفظ بذكرى مطحون النّفَل!.
ـ مزيد العربي المتعفّف، السّاهم، الذي يُلقي القصائد كأنه يتلو المزامير، ويبيع الكتب كأنّها الدّرّ والجمَان، فإنْ أسقط رأسه بين دفتيّ كتابٍ غاب عن الموجودات!. يبدو ألمعيًّا حينًا، وحينًا يبدو مثل معتوه مُستَلَب!. قلبٌ تتخطّفه الأسئلة فيهزج كصنّاجات الغجر!.
ـ مزيد النجدي الحنفي، من اليمامة، في داخله منها نخلةٌ وقُمَيْر ناعس وخابية عسل حكمةٍ من زمن طسم وجُدَيس!.
ـ يرتحل، وفي كل أرضٍ ينزلها، يجد من المصائب ما يُشعره بأنّ الدنيا حوله إنما تُلَمْلِمُ أغراضها لتمضي!.
ـ تتناهبه دروب البصرة وبغداد بزخارف وريش نعام، وأفكار تتضارب وتتنافر، يصير في منزلةٍ بين منزلتين!.
ـ وفي القدس تحتلّه شهوة العِلم وعِلم الشّهوة!، منزلةٌ بين منزلتين!، وإعرابيٌّ بين روميّتين!، تسكبان في قلبه ذلك الغامض الذي يُبقيك على ضفاف نهر الكلام عاجزًا عن تعبئته في جِرار اللغة!. منزلةٌ بين منزل: تِين!.
ـ أمّا الأفكار ومساءلة الأمر وتدبّره، فيفكّكها إلى لُقَمٍ صغيرةٍ، حتّى لا يغصّ بها عقله، وكثيرًا ما يَغصّ!. كيف لا، ولكل سؤالٍ، على الأقل، جوابان!، وكلا الجوابين فيه حُمُولة من حَقّ وأُخرى من باطل!.
ـ مزيد الحنفي، بائع الكُتُب المرتحل أبدًا، والترحال قراءة والقراءة ترحال!. علّمه الطريق أنّ لكل مدينةٍ قلبًا أو جوهرًا تدور أفلاكها حوله، فمنه تنبع وإليه تعود، وبإمْرَتِهِ تأتمِر!.
ـ في اليمامة رعى الغنم. وفي بغداد اشتغل خطّاطًا. وفي القدس عمل صانع معجزات!. وفي القاهرة صيّرهُ منقوع الزّبِيب طبيبًا!، نشوة الكيميائي قادته إلى سوق الكمّون والمردقوش،.. وحضن "كهرمانه"!. وفي الأندلس عمل "زوجًا"!.
ـ ظِلّه صندوق فيه كتب يعرف بعضها ويجهل بعضها. عظماء العرب وفلاسفة الإغريق يُخرجون له رؤوسهم من الصندوق، فتأسره براهين وهرطقات أرسطو والفارابي!.
ـ لا يدري هل قرر مصيره أم أنه عرفه فقط، لكنه بقي مُصرًّا، بدوافع لم يتأكّد من أسبابها، على تمرير مشعل السّراة.. غرانيق العدل.. والعقل!. صقور القمم الشاهقة الذين يأنفون الحَبّ المنثور للعامّة والغوغاء!. يُولَدون بأجنحةٍ من الصعب أنْ تغمسها في الطين!.
ـ مزيد الحنفي الذي تتناهبه الدروب، إلى أن يجد نفسه وقد حمل رسالة ثورةٍ شعبيّةٍ من رجُلٍ يُظنُّ أنه ميّت ضد رجُلٍ يُظنّ أنه حيّ!. يا للحكاية ما أجملها!.
ـ وللحديث بقيّة!.