> مقالات

فهد عافت
مسرى الغرانيق: أسى... طير!
2019-03-06



ـ بغداد قصائد ومصائد!. والقاهرة ضِيَاعٌ وضَيَاع!.
ـ في بغداد يلعبون بالعِنَب لكنهم يُجرّمون الشطرنج يسمّونها بيادق الشيطان!، وفي القاهرة يلعبونها لكنهم يُحرّمون العِنَب يسمّونه أصل المُسكِر!.
ـ كل جدالٍ ينقلب مشاجرة، ويكاد أن يتشجّر انقلابًا!. لولا سطوة الحرس!. ولكل دمٍ يسيل من طعنة مخالِفٍ: جهلٌ من العسكر بمعرفة الطاعن، وعصير شمندرٍ للمطعون يعوّض به ما فقد من دماء!.
ـ والشعراء متى ما قُتِلوا أخَذَتِ الطير بثأرهم!. ما سوى الطير!. ولم يُعرف اسم القاتل حتى في سجلّات القضاء والعسكر!. ألهذا كان آخر كلمة “أساطير”: طير؟!. هل كانت جملةً ثمّ عُجِنَت كلمةً وضاع أصلها: أسى.. طير؟!
ـ الأندلس دار غلاء!. والقيروان تتحدث في مساجدها عن علم العَرُوض والعلل والزّحافات التي آذَت الشعر!، قبل أن يغيب الحضور في زيارة مقامات الموتى متضّرعين بها!.
ـ الأندلس دار الزخرفة والحبق والخزّ، فيها أهم مغازل الحرير في العالَم، لكنها أيضًا الأندلس أخّاذة المكوس الباهظة، المتشككة المرتابة، ذاكرتها مليئة بندوب الفاطميين، والفتنة على أشدّها بين العامريين والبربر، والعيون مبثوثة والآذان منصتة!. والخوف من هجمات النورمانديين يُبقيها محتدمة متشنجة أكثر وأكثر!.
ـ فزع ووحشة!. وعندما تُصلصِل سيوف الجند، تَبيخ وتنطفئ حلقات المنطق والشعر والكلام!. أين ما يزعمونه حول الأندلس التي تحتفي بالحكمة والفلسفة؟،.. حينما يدخل الجند من الباب تخرج الفلسفة من النافذة!.
ـ قرطبة، هي كما قالوا عنها، كالجَمَل: إنْ خففت عنه الحِمْل صاح!، وإنْ أثقلته صاح!، ما تدري أين رضاه فتقصده، ولا أين سخطه فتتجنّبه!.
ـ الأندلس هي بغداد إن تحدّثنا عن رائحة الهواء المحتقن المتوتِّر، تبرق فوقه سيوف الجند!. وإن كان جند “المرية” أكثر تبجّحًا ورعونةً وأعجميّةً!.
ـ والمستظرفون يتشابهون!، هم في البصرة وبغداد والقدس والقاهرة والمرية وقرطبة وكل مكان، بشوارب مفتولة إلى أعلى!، ونُكات فاحشة!.
ـ لكن “الزاهرة” فتنة بغداد، من أتى بها إلى هنا حيث أطراف الأندلس؟!. هل هو قانون المُضاهاة؟!. كم تُشبه الأندلس هذه الغانية موجعة البهاء التي تُسمّى الزاهرة: رغم الحسْن، رغم انثيالها على المقعد بدلال، فإنها تبدو منطفئة متبرّمة!.
ـ هذه هي أجواء وأماكن وزمن رواية “مسرى الغرانيق في مدن العقيق”، الرواية المُشبعة بإيقاعات شعريّة دافقة. دخلتها، وأبحرت معها ومن خلالها، وفي أذني موسيقى: “أفضَتْ بنا الدّرب إلى ساحةٍ”!.
ـ عمل روائي فخم، يضع “أميمة الخميس” في مكانةَ عالية المقام، مُستحقّة.
ـ وللحديث بقيّة، أخيرة، حيث “بلكونة الجمعة” مقتطفات من “مسرى الغرانيق”، والسلام!.