> مقالات

تركي السهلي
الخلاص بالرياضة
2019-03-23



لم تكن مدينة أثينا اليونانية الحاضنة لسقراط وأرسطو والخطوات الأولى للألعاب الأولمبية في القرن الثامن قبل الميلاد، مجرد مدينة تريد أن تفرح فقط أو أن تعبر بالفرد إلى مجرد بناء عضلي، بل كانت حاملة لفكرة خلاص العقل من أوهان تفكيره وتحويل الإنسان إلى جزء من الطبيعة على تماس وتماه شديد معها، وللنمو والارتقاء بالجنس البشري.
لم تكن الرياضة مجرد حالة مرتبطة بالوقت والتنافس. كانت الفكرة ميتة قبل اليونانيين وأصبحت طريقاً إنسانياً عظيماً مليئاً بالحياة عمّ الكرة الأرضية، لذلك قيل العقل السليم في الجسم السليم. لقد ارتبط نشاط الجسد بصفاء العقل وأعطت الرياضة على الدوام انفتاحاً للإنسان على روحه وانطلاق فكره، ولا يمكن للفرد المنغلق على جسده أن يتحرر من كل القيود المكبّلة له.
الأسبوع الماضي أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز مشروعات أربعة يقوم عليها "لجنة المشاريع الكبرى" برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، من بينها مشروع "المسار الرياضي" في العاصمة الرياض، المنطلق من وادي حنيفة غرباً وحتى وادي السلي في الشرق، بطول 135 كم، بأنشطة رياضية وثقافية وترفيهية وبيئية.
أتى المشروع ليؤكد أن بناء الإنسان السعودي محور أساس في توجهات الحكومة، وأن ذلك العقل الجامد لا بد أن يتحرك ويرمي خلفه كل الأفكار الواقفة، وعلى المواطن تحديداً أن ينطلق بخطوات أسرع مما هو عليه الآن، ليصل إلى النقطة المراد الوصول إليها دونما وجل، وعليه أن يسلك كل الطرق المؤدية إلى تكسير القوالب القاسية الملازمة له منذ أزمنة طويلة. إن الرياضة ومعها الفنون مسلك راق للتعبير، تمنح أفقاً لا حدود له وتجعل من بني البشر أكثر قبولاً ببعضهما من حيث الأفكار والسلوك. لقد مر على سكان العاصمة السعودية أوقات لم تكن لديهم خيارات متعددة للترفيه، وعانى الساكن من قلّة أماكن ممارسة الرياضة ومن شح شديد في المنشآت العامة. الآن أصبح هناك من يأخذ بيده نحو جودة الحياة، ويتيح له كل المشاريع الرامية لذلك ومنحه مساحته المستحق لها دونما إهمال لبقية متطلباته. إن التنامي السنوي في عدد السكان يتطلب قراءة مؤشراته على نحو سريع ووضع كل الخطط المحققة للاستيعاب مع استحداث أنماط ومشروعات تفرضها تغيرات العدد والنوع، فما كان غير مقبول بالأمس بات مقبولاً اليوم، وما كان بطيئاً جامداً لاعتبارات مرحلية معينة أصبح سريعاً رشيقاً اليوم، وفكرة الخلاص من القيود لها ما يدعمها من خطوات ملموسة.