> مقالات

أحمد الحامد⁩
عنتر وجيمس كاميرون
2019-06-08



ـ سفينة تايتنك أبحرت من لندن متجهة إلى نيويورك في العاشر من إبريل عام 1912 كأكبر باخرة ركاب في العالم يسافر عليها 2223 راكبًا. بعد أربعة أيام اصطدمت بجبل جليدي وغرقت ولم ينجُ من ركابها سوى 706 أشخاص. حادث مأساوي قد يحصل في أي مكان وزمان.
المخرج جيمس كاميرون في فيلم تايتنك الشهير كانت لديه حكاية غرق سفينة. هذه الحكاية لم تكن تصلح لأن تكون فيلمًا ناجحًا. قد تصلح لأن تكون فيلمًا وثائقيًا حزينًا يشاهده المهتمون بالوثائقيات وبالسفن. كان يحتاج إلى قصة موازية تشد المشاهد غير تلك الأحداث التي تصور حالة الاصطدام والغرق. قصة تخلق حالة تعاطف بين أبطال الفيلم والمشاهد تكون هي الأساس الأول في الفيلم الذي يحكي عن غرق باخرة. لم يهتم المشاهد بشكل الباخرة وحجمها بقدر اهتمامه بمشاهدة تشكل علاقة عاطفية بين شاب وفتاة. ولم يهتم المشاهد بالخسائر البشرية والمالية جراء الغرق بقدر حزنه على مشاهدة نهاية قصة حب بهذا المشهد المأساوي عندما مات "جاك" غارقًا في المحيط مضحيًا بحياته من أجل حبيبته "روز". وضع القصة العاطفية غير الحقيقية هو الذي "سوّق" لحكاية غرق حقيقية لسفينة. الفيلم حصد 77 جائزة منها أوسكار وجولدن جلوب.
ـ لم يكن عنتر بن شداد الذي ولد في الربع الأول من القرن الخامس الميلادي الفارس الشجاع الوحيد، ولم يكن الشاعر الوحيد أيضًا. كان عبدًا قبل أن ينال حريته، لكن العبيد كانوا بمئات الآلاف أيضًا. ما الذي أبقى عنتر يعيش بيننا إلى غاية يومنا؟ إنها حكاية حبه لعبلة والحالة العاطفية التي حصلت بينه وبين المستمع والقارئ. قصة عاطفية تخلق التعاطف والتفاعل، تشتعل بها المشاهد. لم يهتم أحد بحقيقة التمييز العنصري وآلام الاستعباد. كان الاهتمام بتفاصيل الحكاية. كل بطولات عنتر وغزوه للنعمان بن المنذر وحيدًا لم تكن تشكل أهمية لو لم يكن سبب غزوه هو إحضار ألف ناقة من "عصافير" المنذر مهر عبلة الذي اشترطه عمه مالك. كل ما كان يحتاج إليه دريد بن الصمّة وعمرو بن معد وعامر بن الطفيل هو قصة عاطفية. حالة حب مشتعله تُتَابع بشغف واهتمام حتى يحصلوا على الاهتمام الدائم والشهرة الكبيرة كتلك التي حصل عليها عنتر من حكاية حبه لعبلة وأبقت قصائد غزله بها في قلوب الناس قبل عقولهم..
ولقد ذكرتك والرماح نواهلٌ
مني وبيض الهند تقطر من دمي
فوددت تقبيل السيوف لأنها
لمعت كبارق ثغرك المبتسمِ