> مقالات

صالح الخليف
الصحافة.. قيادة
2019-08-01



حتى تكون صحفيًّا فذًّا تحتاج في نفس اللحظة أن تكون قائدًا بارعًا.. أقول هذا الكلام والناس تتابع كيف وصل الصحفي الإنجليزي الأشقر المثير للجدل بوريس جونسون إلى سدة رئاسة وزراء بريطانيا..
كل صحفي ينتابه الحلم بتبوؤ كرسي رئاسة التحرير الوثير ورئاسة التحرير تتطلب روحًا قيادية نهمة ومتعطشة للابتكار والتغيير والتحدي.. وقبل هذا لديها القدرة الفائقة على التعاطي والتعامل مع الظروف والمتغيرات ومتطلبات المراحل المتسارعة والعقول المتباينة.. صحيح أن الصحافة سيدة الإعلام، وصحيح أن للإعلام أصوله وأدبياته وطقوسه، لكن القيادة هي واحدة من الأدوات التي يجب أن يضعها الصحفي بين قامته وظلاله ليكون على أهبة الاستعداد إذا ما جاءته فرصة رئاسة التحرير منصاعة بين عشية وضحاها.. كثير من الصحفيين سواء في العالم العربي أو عالم الغرب تبوؤوا مناصب قيادية رفيعة ومرموقة، وكثير من الصحفيين كانوا يلعبون أدوارًا حيوية بارزة في توجيه سياسة بلدانهم، والمجال واسع وشاسع لتعداد أمثلة تحتاج مؤلفًا وليس مقالاً لوضع نقاطه على بعض حروفه.. ولا أظن أن جونسون سيكون الأخير في هذه الحفلة الصاخبة، والأكيد أن الصحفيين حول العالم شعروا بالنشوة والسعادة والتباهي وأحد زملاء مهنتهم المرهقة صار في مكان تاتشر وتشرشل وجون ميجر.. والحديث عن جونسون الصحفي هو أيضًا يحتاج كلامًا طويلاً، لكن يمكننا الاكتفاء بالقول إنه كاتب يغرف من بحر متلاطم ويملك عدة مؤلفات ما بين الرواية والتاريخ والصحافة فاقت الألف وخمسمئة صفحة، ثم إن علاقته بالصحافة بدأت باكرًا حينما تولى في الثالثة عشرة من عمره رئاسة تحرير صحيفة المدرسة التي كانت تحمل اسم “ذا إيتون كوليدج كرونيكل”، وهذه خطوته الصغيرة والأولى في عوالم المهنة.. وفي عالم 1983 دخل جامعة أكسفورد العريقة، وهناك مارس أيضًا دور رئيس التحرير عبر مجلة تريبوتاري الساخرة.. ثم وصل إلى أهم حدث صحفي في حياته، حينما اضطرت جريدة التايمز إلى فصله وطرده عقب نشره خبرًا كاذبًا عن اكتشاف أثري في قصر الملك إدوارد الثاني، لكن هذه الواقعة رغم قساوتها لم تهز الشاب الجريء ونجح في الحصول على مقعد داخل الديلي جراف، واستمر فيها قرابة الخمسة أعوام مراسلاً من بروكسل.. السياسي كريس باتن كان يصفه بأحد أهم دعاة الصحافة الوهمية، بينما عدته مارجريت تاتشر صحفيها المفضل..
وبعيدًا عن كل شيء فقد سبق لجونسون أن تولى بالطبع منصب عمدة لندن وقاد الدبلوماسية الإنجليزية بشغله منصب وزير خارجية بلاده، لولا أن الأهم بالنسبة للصحفيين أن أهم ما في تاريخه كله كونه صحفيًّا مشاغبًا، الأمر الذي يعني لهم أنه بالفعل ابن المهنة الذي صار قائدًا.