> مقالات

فهد عافت
من السّأم إلى الاستثارة!
2019-08-11



في كتابه "الطريق إلى السعادة" يستبعد برتراند راسل حالات الفقر الشديد، وكذلك الأحداث مدويّة الآلام مثل فقد الآباء لأبنائهم، مشيرًا إلى أنّ مثل هذه الحالات لا بد لها أنْ تجلب حسرات وشقاء، يصعب على كتابٍ أُلِّف للجميع التبجّح بالقدرة على معالجتها ومداواتها!.
ـ حالة مثل الفقر الشديد لا يمكن لصاحبها إلا الخروج منها بأقصى ما يستطيع أو سيبقى في شقاء وتعاسة!.
ـ لا أدري ما إذا كان ذلك قطفًا أم خطفًا، لكن برتراند راسل يُؤمّن على قول المتنبي: "فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله... ولا مال في الدنيا لمن قل مجده"!. يكتب راسِل: رغم أنّ المال في حد ذاته ليس كافيًا ليصبح الناس عظماء، فإنّ العظَمَة لا يمكن تحقيقها دون مال!.
ـ وأظن واثقًا، أنه يمكن لكتاب "الطريق إلى السعادة" أن يكون مفيدًا على نحوٍ ما حتى فيما استبعد من أمور. لا أردّ استبعاده لها إلا لتواضعه وأمانته وصراحته ومنطقيته، وأنه لا يحب لغة المتصوّفة حتى وإنْ كان لا يعرف وسيلة يتجنّب بها استخدام بعض العبارات الشعريّة!.
ـ عندما يشعر المرء بعدم إمكانيّة سَدّ حاجاته الأساسيّة فإنه يشعر بصعوبة الحياة، هذه الصعوبة تُشقيه. ويشقى أيضًا من يشعر بأنّ حاجاته الطبيعية سُدَّت بأجمعها، ذلك لأنه سوف يشعر بتفاهة هذه الحياة!. تعاسة الأول من اليأس، تعاسة الثاني من السّأَم!.
ـ يضع برتراند راسل يده على أهم عناصر الشقاء. يضغط على كلمة "السّأم" بقوّة!. مستفزًّا نقيضها على الحضور: عكس معنى السّأم ليس السرور، بل الاستثارة!. مؤكّدًا أنّ السّأم ليس أمرًا طبيعيًّا في حياة الإنسان، وأنه يمكن القضاء عليه بمتابعة الأشياء المثيرة!.
ـ هذا لا يعني أن السّأم ليس عنصرًا ضروريًّا من عناصر الحياة، ربما كان كذلك فعلًا، غير أنّ الهروب منه طبيعيّ أيضًا، وهو من أمور السعادة في هذه الحياة!.
ـ يجازف برتراند راسل: رغم أن السأم ليس شرًّا كله، فإنّ نصف خطايا الإنسان سببها السّأم!. ما الحروب والمناوشات إلا بعض مظاهر السّأم، يخفّف ممازحًا: حتى المنازعات مع الجيران خير من لا شيء!.
ـ كل حياة خالية من الإثارة والاستثارة حياة شقيّة، وسيشعر صاحبها بالضيق والملل!. والبحث عن الإثارة مقصد نبيل، والإنسان الذي يشك في مسألة النّبل هذه سيشقى حتى وإن نجح في تحقيق هذه الإثارة!.
ـ لكن ولأن برتراند راسل لا يتكلّم من برج عاجي، فإنه سرعان ما يُوافق على أن السّأم أمر طبيعي في الحياة: وعلى هذا فإن القدرة على تحمّل السّأم أمر ضروري وهو شيء يجب أن يتعلّمه المرء منذ الصغر، وأنّ القدرة على تحمّل الحياة الرتيبة أمر يجب أن يتمرّس به الأطفال في سِنِيّ حياتهم الأولى!.
ـ لا يشكّ برتراند راسل بأن أمورًا مثل الحرية والعدالة والمساواة يمكنها المساهمة جذريًّا في تهيئة المحتاج لحياة طبيعيّة تُسدّ فيها كثير من حاجاته الطبيعيّة، لكنه يؤكّد ضرورة وجود النواقص إذا ما أردنا السعادة: افتقاد بعض الأشياء في الحياة هو أحد الأسس المهمّة في الشعور بالسعادة!.
ـ أطَلْنا، وفي الإطالة سأم!.