> مقالات

بدر السعيد
من الطابور إلى يومنا هذا
2019-09-21



في تلك الصباحات.. كنت وأبناء جيلي نصافح الطريق إلى المدرسة مع المذياع على أنغام "احرث وازرع أرض بلادك.. بكره تجني الخير لأولادك"، لم يكن لدينا حينها أولاد.. وبعضنا لم يكن بالفعل يزرع ويحصد.. لكنها كانت ملهمة.. اسألوا صبية السبعينيات والثمانينيات وسيجيبونكم متفقين أنها كانت كذلك.
كنت وكان أبناء جيلي ومن سبقنا ومن لحقنا على موعد صباحي ثابت.. موعد نجدد فيه تأكيدنا على علاقة فطرية.. في ذلك الموعد اليومي كنّا نتنافس في قدرتنا على ترديدها بصوت عالٍ.. نأخذ نفسًا عميقًا قبل أن نطلقها قائلين "وارفعي الخفاق أخضر.. يحمل النور المسطر.. رددي الله أكبر يا موطني" كأجمل ختام لأنشودة الوطن، قبل أن نبدأ يومنا الدراسي وكأننا نعلن جاهزيتنا للعمل.. ما زلت أذكرها.. أذكر شحذ همم الحناجر.. نسترق النظر بين زملائنا ولسان حال كل منا يقول أنا نطقتها بشكل أعلى وأجمل منك.. نتفاخر بمن يحبها أكثر.. ونزهو بحبها الكبير في قلوبنا.. لتكون الخاتمة وبأعلى صوت "عاش الملك.. للعلم والوطن".
كبرنا.. وعاش الملك تلو الملك.. وبقي العلم شامخًا.. وارتقى الوطن.. كبرنا.. فرأينا مفردة "سارعي" ماثلة أمامنا.. تحركها الرغبة في التقدم.. وقودها حماسنا.. وسقفها حدده المجدد قائلاً "طموحنا عنان السماء".. ومع مضي السنين وتسارع الأحداث بكل متغيراتها السياسية ومعتركاتها كانت المعاني تتضح لنا ونحن نكبر.. فأدركنا حينها أنك يا وطن "قد عشت فخر المسلمين" بمواقفك العظيمة.. بخدمتك للحرمين الشريفين.. بمساعدتك للمسلمين في بقاع العالم.. بهباتك وعطاياك.. بسيفك ومدفعيتك..
تسعة وثمانون عامًا يا وطن كانت الشاهدة علينا.. شهدت على علاقة إنسان بأرضه.. بأصله وموروثه.. بطبيعته وطبيعتها.. بأنفاسه وهوائها.. سعودي أحبها فمنحها كل قطرة من دمه.. سعودي ورثها عن أجداده آمنة مطمئنة.. ولن يهنأ له بال حتى يورثها لأحفاده وقد استقرت فوق هام السحب..
وطني.. كن على يقين أننا نحبك.. وطني.. تأكد أن كل ما كنا نردده في طابورنا الصباحي لم يكن مجرد روتين يومي.. بل كان الوقود يا وطن.. كان الإعلان الأولي عن اعتماد أجيال سخروا أرواحهم وعقولهم لخدمة ترابك وحماية حدودك.. أتعلم لماذا يا وطن.. لأنك السعودية بكل عزة ولأننا السعوديون بكل فخر..
دمتم أحبة.. تجمعكم الرياضة.. ويحتضنكم وطن..