> مقالات

رياض المسلم
بادنوهايم والغابة الأسمنتية
2019-12-30



عندما نزور مدينة مليئة بالأبراج الشاهقة فإن الدهشة تأسرنا، نظراتنا تتطاير إلى الأعلى لمشاهدة الغابات الأسمنتية، قبل النوم نبحث عن “مرهم” لوضعه على رقابنا لكثرة النظر إلى الأعلى..
البعض يعتقد أن ذلك من أهم عوامل الترفيه لديه، المباني المرتفعة تجذبه رغم أنه بضغطة زر على اليوتيوب يستطيع أن يشاهد كل المباني في العالم ويتجول بين أبراجها دون تحمل عناء السفر ووعثائه..
بصراحة لا أعرف أين المتعة في مشاهدة الأبراج وارتفاعها؟ هل من الممكن أن يضحك لي البرج أو يبتسم؟..
في اعتقادي أن مشاهدة المباني المرتفعة يذكرنا بالعمل والإنجاز والسكن أيضا وليس لها علاقة بالسياحة أو الترفيه.. هنا لا أتحدث عن التاريخية منها مثل إيفل أو تمثال الحرية أو الأهرامات أو بيزا حتى برج خليفة يُستثنى منها كونه معلماً حطم أرقاماً قياسية.. ولكني أعني الأبراج الحديثة..
الترفيه.. حياة.. بهجة.. ضحكة.. ترويح عن النفس.. لا علاقة له بالمكان وتطوره بل بالأشخاص الذين يصنعون التغيير..
زرت فرانكفورت في عام 2006 بسبب عملي أثناء مشاركة المنتخب السعودي في مونديال العالم.. مدينة جامدة.. الضحكة بالكاد أن تجدها.. الأبراج موجودة.. أدهشتني لمرة واحدة فقط ولكن بعدها لم تجعلني سعيداً عندما أنظر إليها.. هل من الممكن أن يبتسم البرج أو يضحك ليّ؟!..
خرجت منها واتجهت إلى قرية صغيرة تدعى “بادنوهايم” لظروف تنقل بعثة المنتخب.. سكانها لا يتجاوزون عشرة آلاف شخص.. مساحتها قليلة.. أيادي المقاولين لم تمسها.. مباني بسيطة.. حدائق.. ساحات.. شوارع نظيفة.. نظرت إليها دهشت أول مرة فقط، وبعدها أيضا لم تجعلني سعيداً..
تذكرت هنا على الفور عادل إمام عندما قال في مسرحية الواد سيد الشغال يروي قصة الخاتم الضائع: “بعد سنتين بيفتح السمكة ما لئاش الخاتم بتاعه”..
في يوم وأثناء أكلي للبيتزا في أحد المطاعم في تلك القرية إلا بمسيرة ترفيهية تمر من أمامي، أخذ عليها الطابع الكوميدي، ضحكت معها، انطلقت بعدها للمشي “محاولات لتهضيم البيتزا الألمانية”.. وأثناء مروري بالساحة جذبتني فعالية مخصصة لكبار السن، كم هو رائع مشاهدتهم يضحكون، بالقرب منهم مهرجان للمأكولات، وفي الحديقة مسابقة مخصصة للأطفال.. الحياة تدب في كل ركن.. فعالية هنا وهناك.. هذا هو الترفيه الحقيقي..
أختم مع الرياض.. مدينة يملأها العمل، التطور في كل زواياها.. تدهش زوارها بما وصلت إليه من تقدم، ولكن هناك شيء ينقصها، تفتقد للضحكة، في الموسم الأول شاهدنا كيف الرياض تغيرت وتبدلت وأصبحت مدينة مبهجة تأسر زوراها وتملأهم بالسعادة..
التغيير بيد الأشخاص وليس الأماكن.