> مقالات

أحمد الحامد⁩
هدية الأرض
2020-02-10



للورد مكانةٌ عالية، أعطيناها له بسبب جماله ورائحته الزكية، ولأنه بهذا الكرم، قرَّبناه منا، وأدخلناه بيوتنا، واخترناه لأن يكون مرسال محبةٍ. والورد متعةٌ للناظر، وجمالٌ للبساتين، ولكل أرض تُنبِته. انتبه التجار إلى محبة الناس للورد، والتجار يقرؤون احتياجات الناس، فيوفرونها لهم، ويكسبون المال بذلك. أراد صديقي، للمرة الأولى، أن يتعامل مع الورد، فلبس أفضل ملابسه، واشترى باقة وردٍ، ملأها بالورد الأحمر، واتَّجه إلى بيت خطيبته.
دقَّ باب بيت خطيبته، التي رفضت أن تفتح له الباب بسبب خصومة سابقة بينهما، حاول أن يُقنعها بفتح الباب، لكنها رفضت، نفد صبره، فرمى الورد على الأرض، وراح يدوسه بقدميه لاعنًا الورد وخطيبته، ما إن شاهدت الخطيبة فعل خطيبها حتى قررت الانفصال عنه نهائيًّا، وترك الخطيب إلى الأبد. تدخَّل الأهل والأقارب، لكنها أصرَّت على الفراق قائلة: إن مَن يتعامل مع الورد بهذا الجهل والقسوة، سيعاملني بالجهل والقسوة نفسهما.
ولأن الورد جميلٌ، استخدمه الشعراء وسيلةً لترقيق قصائدهم، ومساعدتهم في بلوغ الوصف المراد. مثلًا أراد أبو تمام، أن يصل بوصف حبيبته إلى مبلغ عظيم، فاستعان بالورد، وضحى به من أجل رضا محبوبته:
قتل الورد نفسه حسدًا منك
وألقى دماه في وجنتيك
ولأن الورد رفيقٌ مخلص للشعراء، تقبَّل أن يصفوه أحيانًا بوصفٍ لا ينصفه إذا كان ذلك ينفع العاشق الحبيب، ويوصل المعنى إلى حبيبة الشاعر وعتابه إليها. قال أبو دلف العجلي، الشاعر المعروف بكرمه:
ولا خير فيمن لا يدوم له عهد
أرى ودكم كالورد ليس بدائم!
انتبهت بعض دول العالم إلى اهتمام البشر بالورد، واتِّفاقهم على جماله، فاستثمرت فيه بوصفه أحدَ مصادر دخلها، تتقدمها هولندا التي تنتج 40 في المئة من الإنتاج العالمي من الورد بعائد يتحاوز ثلاثة مليارات دولار، تأتي بعدها كولومبيا بعائد يصل إلى 1.5 مليار دولار، ثم الإكوادور بـ 820 مليون دولار، ثم كينيا التي يعمل 500 ألف من مواطنيها في زراعة الورود بعائد يبلغ 660 مليون دولار. الورد هدية الأرض للبشر، هدية كريمة وجميلة.
تذهب أهمية الورد إلى أبعد من كونه رمزًا للجمال، إذ إنه أيضًا مصدرٌ من مصادر غذاء النحل الذي يقوم بأسفاره وتنقلاته نحو الورد والزهور، ثم يلقِّح النباتات التي تشكِّل مصدرًا رئيسًا لغذاء الإنسان.
الورد لم يكتفِ بالوجود في المزهريات والأشعار والأغاني، بل فرض نفسه أيضًا على روائحنا التي نقتنيها في علبها الصغيرة. الورد شريك كل ما هو جميل.