|


صالح الخليف
الحياة.. عقيدة وجهاد
2020-03-06
القول إن إغلاق أي صحيفة وفي أي مكان حول العالم يعتبر خبراً صادماً يتجاوز واقعية الأشياء بمسافة كبيرة.. ما عادت نهاية الصحف أو وداعها أو وفاتها أمراً يمكن التوقف عنده طويلاً.. تغيرت قواعد اللعبة كثيراً..
تزحزحت المكانة الإعلامية للصحافة الورقية في السنوات العشر الأخيرة بطريقة متسارعة، أكثر حتى من كل التوقعات والتنبؤات والقراءات، حتى الذين يقدمون حفلات المواعظ والنصائح، حرصاً على بقاء الصحف تتنفس وتستمر على قيد الحياة إنما يصارعون الهواء ويصارعون الزمن ويواجهون الأعاصير.. نعم الصحافة هي أم الإعلام وسيدته وتاجه المرصع.. هناك أماكن كثيرة ودول كثيرة في هذا الكون ما زالت فيها الصحافة تحافظ على توازنها، بل تتمدد وتكسب قراء ومحبين ومدمنين، لكن لهذه الأجواء أسبابها التي يطول شرحها كما تطول خيوط السراب في أعين المسافرين على الطرق المهجورة.. في الأيام الماضية تناقلت وسائل إعلام عالمنا العربي خبر توقف صحيفة الحياة اللندنية.. كانت واحدة من ألمع وأخطر وأقوى محطات الإعلام الرصين صاحب الخط التحريري الخاص.. تمسكت بهوية متفردة وظلت محتفظة بإرثها الذي تشكل فيما يزيد على سبعة عقود كاملة..
كانت الحياة متمايزة على نظيراتها وأضدادها ومنافسيها بأشياء كثيرة، لعل أهمها وأوضحها هو رفضها القاطع وموقفها الصلب بعدم تجديد “اللوقو”، فاحتفظت به حتى صار علامة لا يمكن تقليدها.. كانت تتخذ من شطر بيت لأمير الشعر أحمد شوقي شعاراً لها...
إن الحياة عقيدة وجهاد.. لم تجاهد الحياة بما يكفي واستسلمت في بدايات هبوب العاصفة العاتية، وتركت أمير الشعر وكلماته تذهب مع الريح.. انضمت الحياة رسمياً لقائمة صحف عربية كبيرة وعريقة تركت مضمار السباق لفرسان جدد ولاعبين مستجدين، وقواعد وقوانين حديثة لم تأخذ وقتها الكافي لتعلمها وإجادة تطبيقها، وبالتأكيد وكما قلت تعداد الأسباب يحتاج وقتاً ومساحة عريضة وكلاماً من الظلم والمظلومية اختصاره أو تناوله بطريقة مستعجلة.. بالطبع كان ظهور السوشال ميديا بكل هذا العنفوان وهذه الحيوية وتلك الموجة الصاخبة من الانجذاب الشعبي، إضافة إلى أن قراء الصحف أساساً لم يكونوا بذلك الرقم الكبير الذي يمكن فيها بعد الرهان عليه، الأمر الذي جعل المعلن يلهث هو الآخر إلى وسائل تحقق غاياته ومبتغاه.. لم تكن الصحافة العربية بوجه عام متحصنة ومستعدة بما يكفي لهذا الهجوم المباغت، ولهذا كان ترنحها وتنحيها شيئاً أشبه بالمعتاد والطبيعي والمنتظر.. غياب الحياة كان محزناً وجارحاً ومؤلماً وأيضاً ربما يكون درساً وافياً ومكتملاً وواضحاً لعل الآخرين يعطونه حقه من الاهتمام والبحث والتحليل وليس فقط البكاء على اللبن المسكوب كما يقول المثل الإنجليزي الشهير، والذي يلخص أحوال العرب..
رحم الله العرب ورحم الله الحياة..!!