> مقالات

طلال الحمود
منع التجول
2020-03-28



للمرة الأولى في التاريخ يعرف العالم تجربة منع تجول جماعية لا تستثني الدول الغنية ولا الفقيرة، وأجبرت البلدان المستقرة على اللجوء إلى إجراء لم تعهده من قبل، لاعتبار أنها تتعرض إلى جائحة لم يسبق أن واجهتها حتى في أيام الحروب والكوارث الطبيعية.
ولا يعرف تحديداً متى تم تطبيق تجربة منع التجول للمرة الأولى، إلا أن مصادر مهمة ترجع تطبيقه إلى عهد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان، الذي أصدر أمره بمنع تجول الناس في البصرة، وكانت عقوبة الإعدام تواجه من يخرق المنع مهما كان السبب.
في دول الخليج لم تعتد الحكومات على استخدام مصطلح “منع التجول”، ولم تعتد شعوبها على دخول هذه التجربة بفضل الاستقرار الذي تعيشه، فضلاً عن رفض مسؤوليها اللجوء إلى هذا الإجراء حتى أثناء العمليات الإرهابية أو الحروب التي شهدتها المنطقة سابقاً، وأيضاً حساسية الإعلام الرسمي تجاه المصطلح الذي ارتبط دائماً بالبلدان غير المستقرة سياسياً واقتصاديًّا، وربما تكون الكويت في عام 1967 و1991 صاحبة التجربة الوحيدة في الخليج، لظروف تتعلق بتطبيق الأحكام العرفية وتحرير البلاد من الاحتلال.
مع ظهور فيروس كورونا قررت بلدان الخليج اللجوء بلا تردد إلى فرض “منع التجول”، ما يجعل الحكومات تقيم هذا الفيروس بما يفوق خطر التهديدات الأمنية والعسكرية التي مرت بها المنطقة سابقاً، خاصة أنه يحمل في طياته أبعاداً صحية واقتصادية وسياسية، ما يلخص مبادرة بلدان الخليج للتعامل بجدية مع “كورونا” منذ الأيام الأولى، بشكل فاق التوقعات وتجاوز ما قامت به بريطانيا أو أمريكا للتعامل مع الخطر المقبل.
حين يقيّم رجل الشارع البسيط خطر كورونا من جانب صحي، ربما لا يرى في الأمر خطراً كبيراً، ولكن عندما يدرك أن انتشار هذا المرض سيؤدي إلى تبعات اقتصادية رهيبة تتمثل بعجزه عن الحصول على المال وشراء حاجياته الضرورية وتراجع قيمة العملة التي يحملها في يده، حينها يعلم أهمية اتباع التعليمات الصحية والبقاء في الحجر المنزلي، خاصة أن أقل الشعوب إصابة بالفيروس ستكون صاحبة الحظ في تجنب التبعات المدمرة والأكثر قدرة على الوقوف مجدداً لاستعادة امتيازاتها التي نعمت بها قبل كورونا، وفي المقابل ستواجه البلدان التي أرهقها الفيروس حالة انهيار اقتصادي ستجعلها ضمن نطاق الدول المدينة والعاجزة عن تأمين حاجاتها الأساسية، بخلاف أنها ستجبر على بيع كل ما يمكن بيعه على أراضيها للحصول على المال ودعم اقتصادها.