> مقالات

فهد عافت
الكثرة تغلب القناعة!
2020-03-31



ـ قبل أيام، وفي “سناب” الأستاذ عبد الرحمن اللاحم، سمعت منه هذه الحكاية، وأعتذر إن حكيتها برشاقة أقل، هي بصوت اللاحم ولهجته أحلى وأطعم، لكني سأحاول، وأظن الحكاية نفسها ستساعدني فهي خاطفة قاطفة:
ـ اشترى رجل خروفًا من السوق. أُعجِب أحد الماكرين بالخروف، وأراده لنفسه، بلا ثمن، أو بثمن يكاد يكون من فرط بخسه سرقةً!. وقد كان لهذا الماكر أصحاب، فلمّا عرفوا مبتغاه، راهنوه على استحالة ذلك. قَبِل الرّهان شرط أن يساعدوه في حيلته. وافقوا، فأعطاهم الخطّة، وبدأ التنفيذ بتفرّقهم وابتعادهم عن بعضهم بعضًا، ثم وفي الطريق وقبل أن يصل الرجل إلى بيته:..
ـ مرّ الماكر بصاحب الخروف. رمى السّلام وأتبع: بكم اشتريت هذا الكلب؟! وأشار إلى الخروف!. ضحك الرجل وقال: ليس كلبًا إنه خروف اشتريته من السوق!. نظر الماكر إلى الرجل نظرة المُستشِك بعقله، ولم يُعقِّب، اكتفى بهزّ رأسه متعجّبًا وأكمل طريقه!.
ـ جاء دور الشّطّار أصحاب الماكر الطّمّاع!. خمس دقائق ومرّ أحدهم بالرجل: لِمَ تجرّ هذا الكلب وراءك؟!. بُهِتَ الرّجل!. اتسعت عيناه لكن صوته بقي متّزنًا: إنه خروف!.

ـ وهكذا، كل خمس أو ست دقائق، كان يمر به أحدهم، فيسأله عن الكلب!. أو يسخر منه بسببه، أو يعيبه!.
ـ الرجل الذي ضحك في المرّة الأولى، وبُهِت في الثانية. في الثالثة تشكك في نفسه، وفي الرابعة تشكك في خروفه، وفي الخامسة اقتنع بإمكانيّة أن يكونوا على صواب، وفي السادسة تأكّد!. تأكد من أنه يجرّ كلبًا لا خروفًا!.
ـ من بعيد، كان الماكر يُراقب. كانت علامات الخجل تتكاثر مثل تجاعيد في وجه صاحب الخروف الذي بات موقنًا من أنه إنما اشترى كلبًا وهو الذي ذهب لجلب خروف!. عندها ظهر له الماكر مجدّدًا. أعاد التحية بالحرارة الأولى نفسها، لكنه أبردَ من السؤال وهوّن: بكم تبيع كلب الشوارع هذا؟!. قال الرجل: خذه بلا ثمن، وفوقه درهم مني لطعامه!.
ـ انتهت الحكاية!. وظلّ تأثير الجمع على المُفرَد قائمًا إلى يومنا هذا!. يضحك المُفرد من الجهل البيّن للمُفرد الذي يساويه، فإن تكاثر رأي الناس بُهِتَ المُفرد، ثم تشكك، ثم بدأ يقتنع تدريجيًّا بأن جهلهم ليس بيّنًا لهذه الدرجة التي يظن!. ثم وفي نهاية التدرّج يقتنع بأنه على خطأ، وأنّ الجمع على حق وعلى صواب، فقط لأنهم جمع!.
ـ قفلة:
وقع أحد الناس مغشيًّا عليه من حرّ الشمس. طال غشيانه فحسبه الناس ميتًا. غسّلوه وكفّنوه وحملوه على النعش. في الطريق إلى المقبرة، أفاق الرجل، كشف عن وجهه الغطاء، فوقعت عيناه على “جُحا” وقد كان صديقه. صاح مستنجدًا: أنا حي.. لم أمت.. يا جُحا.. خلّصني يا جُحا. فما كان من جُحا إلا أن اقترب منه وقال: عجبًا، أأُصدّقك وأُكذِّب كل هؤلاء المشيّعين؟!.