> مقالات

أحمد الحامد⁩
المهلّب وقيس وإياس
2020-06-17



أشعر بالامتنان لكل الذين حفظوا لنا من تراثنا العربي طرائفه وقصصه الممتعة بكل ما فيها من حكم وعبر وحتى مبالغات، وكنت وما زلت أحتفظ بكل ما استطعت شراءه من كتب دوّنت لنا تلك الأخبار والقصص التي تفصل قارئها عن عالم اليوم الحديث والمتسارع، وقراءة قصص وأخبار العرب فيها فائدة ودروس كما أنها تكرر لنا حقيقة أن الرهان على الأخلاق العالية والالتزام بها هي أفضل ما يفعله الإنسان لنفسه خلال حياته.
رويَ أن المهلّب بن أبي صفرة وكان سيد قومه مرّ بحيٍّ من بني همدان، فرآه شاب كان يرى المهلّب لأول مرة فقال الشاب: هذا المهلّب؟ فقالوا: نعم، قال: والله ما يساوي خمس مئة درهم، فسمعه المهلّب وكان المهلّب رجلًا أعور، فلما كان الليل أخذ خمس مئة درهم وأتى إلى الحي، وبحث عن الشاب إلى أن رآه فأتى إليه وقال: افتح حجرك، ففتح الشاب حجره، فسكب فيه الخمس مئة درهم وقال: خذ قيمة عمك المهلّب، والله يابن أخي لو قيّمتني بخمسة آلاف دينار لأتيتك بها، فسمعه شيخ من أهل الحي فقال: والله ما أخطأ من جعلك سيدًا!
في تراثنا العربي يجد القارئ أن الشخصيات المشهورة بكرمها وذكائها كانت لها قصصها التي واجهوا فيها ما أظهر لهم بأن هناك من هو في مستوى كرمهم أو ذكائهم أو يفوقهم في ذلك، رويَ عن إياس بن معاوية وهو أسطورة في الفطنة والذكاء أنه قال: ما غلبني أحد قط سوى رجل واحد، وذلك أني كنت في مجلس القضاء بالبصرة، فدخل عليّ رجل شهد عندي أن البستان الفلاني وقد ذكر حدوده هو ملك فلان، فقلت له: كم عدد شجره؟ فسكت ثم قال: منذ كم يحكم سيدنا القاضي في هذا المجلس؟ فقلت: منذ كذا، فقال: كم عدد خشب سقفه؟ فقلت له: الحق معك، وأجزت له شهادته، لو حاولنا أن نسترجع الكثير من الأمثلة التي قرأناها لوجدنا أن الكثير منها يوصي بالصبر والحلم، وقيل الحلم سيد الأخلاق، كما أن من يمتلك صفة الحلم لا شك أنه سيمتلك قلوب الناس ويفوز بالسمعة الحميدة، عُرف أن الأحنف بن قيس كان مشهورًا بالحلم وهو ما جعله سيدًا لقبيلته، قيل له: مِمَّ تعلمت الحلم؟ فقال: من قيس بن عاصم، كنا نختلف إليه في الحلم كما يُختلفُ إلى الفقهاء في الفقه، ولقد حضرت عنده يومًا وقد أتوه يومًا بأخٍ له قد قتل ابنه، فجاؤوا به مكتوفًا، فقال: ذعرتم أخي.. أطلقوه، واحملوا إلى أم ولدي ديته، فإنها ليست من قومنا، ثم قال:
أقول للنفس تصبيرًا وتعزيةً
إحدى يدي أصابتني ولم تُرِدِ
كلاهما خَلَفٌ من بعدِ صاحبهِ
هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي