|


فهد عافت
مآسي الحب!
2020-07-11
ـ في كل حب، اتّهام خفيّ، يُحمِّل الآخر ما لا يحتمل: إنه هو، دون سواه، الذي مارس غواية ما، أوقعتني في شِرَاكه!. هذا ما يجعل حَنَقنا، على الطرف الآخر، مُضاعفًا أو زائدًا عن الحد، حين لا يُبادلنا نفس الشعور!.
ـ لقد سَلَبَ شيئًا منّا، وربما يكون قد سَلَبَنا كل شيء!. وهو برفضه الانصياع للعلاقة يكون مثل من يرفض ردّ المسروقات!. وحين يتأفّف من إلحاحنا، ويضيق به ذرعًا، يكون مثل من لا يريد حتى الاعتذار عمّا نَهَب!.
ـ نشعر بما لا نريد تصديقه: بوقاحته!. بوقاحاته معنا بالذات، معنا فقط!. يختفي مثل هذا الشعور ويظهر، بإرادتنا ورغمًا عنها، فنرتبك تجاه أنفسنا أولًا، ثمّ تجاه المعشوق ذاته!.
ـ يجعلنا الأمر نحس بنقص أكبر، نقص لا يريد أن يصل إلى حدّ، فهو يكبر أكثر كل لحظة!. ومع مثل هذا الإحساس يبدأ فقدان الثقة بالنفس!.
ـ أمام معشوق كهذا، وفي ظل أحاسيس كهذه، لو أنّ أحدنا رفع فنجان قهوة، فإنه يشعر بالمسافة الطويلة بين خشب الطاولة وفمه!. تلك المسافة اللازمة ليتمكّن من رشفة!.
ـ لا أعني القهوة بحد ذاتها. كل كلمة، كل حركة، كل إيماءة وإشارة وتلميح، وكل تصريح بالطبع، كل شيء.. كل شيء حرفيًا، يربكنا ويشُقّ علينا، وننتهي إلى أسف مُحبِط بأننا لم نتصرّف على نحو أفضل، وبخزي ليقيننا من أننا كنا قادرين على التصرف بشكل أفضل.. أمامه، ومعه!.
ـ يستغرب العاشق من نفسه، ويلومها متسائلًا بحسرة: لماذا، وأمام كل شخص وأي شخص آخر، سوى هذا الذي أنا متيّم به، أقدر على التصرّف بشكل أفضل، بثقة أعلى، وبأمان أرسخ؟!.
ـ إليكم، أيضًا، حالة أخرى من التّداعيات المَرَضيّة، التي يمكن لعلاقات الحب المرتبكة على هذا النحو، أن تجثم بها فوق صدر، وفي عقل، العاشق المُختَلّ: يُخيّل للعاشق، لأي عاشق، أنّ محبوبه محط أنظار ومطامع ورغبات ما لا عدد له من النّاس.
ـ العاشق السعيد بعلاقة متبادلة، يشعر أنه محظوظ، وأنه مميّز، بانتقاء محبوبه له من بين الجميع، وأمّا العاشق المصدود، فيشعر بما هو أكثر من الأسى. وفي “لا وعيه” يبدأ محاولة ردّ اعتباره لنفسه، فتأخذه أفكاره المريضة إلى تخيّل استسلام هذا المحبوب لمن هو أدنى منه!، ولا يكتفي!، يتخيّل استسلامًا من المحبوب لأكثر من شخص!، آملاً من مثل هذا الخيال الأخير أن يُقبّحه في نظره ويشوّه صورته في خياله، لكن دون جدوى!. وهو كلّما تخيّل عدد الأشخاص شَعُر بضآلته أكثر!. وزادت رغبته في الانتقام، من المحبوب، ومن العالَم!. ولأنهم جميعًا في خياله، ومن خياله، فإنه، غالبًا، لا ينتقم إلا من نفسه!.
ـ عزيزي الشابّ، عزيزتي الشّابّة: إن وجد أحدكما نفسه في مثل هذه الحالة، فليعرف أنه مريض!. أو على الأقل: يعيش علاقة مريضة، قد تنحدر به، وتُودي به في مهالك حقيقيّة، ما لم يتوقّف لاستعادة حساباته على الأقل!.
ـ من يتورّط في مثل هذه العلاقات، ويدخل في مثل هذه الحالة، ثم يُصرّ على التّتمّة بنفس الشروط والمعطيات، متمسّكًا بوهم الصّدفة أو الظروف، ينحدر غالبًا إلى هاوية!. لا يعود منتظرًا لفرصة طيّبة!. كل ما ينتظره، في الغالب، حدثًا سيّئًا يُفرغ فيه عجزه وفشله!.
ـ وغالبًا أيضًا، يتلخّص هذا الحدث المُنتظر في أحد أمرين: أن يقع المحبوب في عثرة أو مأساة، فيساعده أو يواسيه، ليكسب جولة أمامه!. أو أن يُحدق خطر بهذا المحبوب، كأن يتبيّن له عدوّ كاره أو منافس في مجاله، فينبري هذا العاشق للمساندة، منقضًّا على ذلك العدوّ أو المنافس، مُلحقًا به ضررًا واضحًا، قد يصل في الحالات الأشد مرضًا، حدّ القتل، لتبيان صدق مشاعره، بناء على المطمع نفسه: أن يكسب جولة!.
ـ فإن لم يجد، ولم يتوقّف، فإن الأمر قد يصل به إلى الانتحار!. ظنًّا منه أنه بمثل هذا الفناء يؤكد صدق مشاعره، مع رغبة لا يمكن أن تكون خافية، بإصابة المحبوب في مقتل الندم، والشعور الحارق بأنه المتسبب في الجريمة!.
ـ ما اجتمع إعجاب شديد مع يأس أكيد في قلب واحد، في علاقة واحدة، إلا وسقط صاحب هذا القلب في مُنحدر سحيق!.
ـ راجع نفسك، وانتبه لها: كلّ من يشعر أن محبّته للآخر، جميل منه في عنق الآخر، يحمّل هذا الآخر، بالضرورة، ردّه، فإنّه معرّض، بدرجة أو بأخرى، للسقوط في هذه الحالة المَرَضيّة، عنيفة النتائج!.
ـ أخيرًا: قد لا يكون الحب خيارًا، لكن إقامة علاقة حب، فإن هذه مسألة خيار وقرار!.