> مقالات

أحمد الحامد⁩
العالم في هاتف جوّال
2020-10-25



عالم ما قبل 20 عامًا لا يشبه عالم اليوم عمليًّا، ولا يعرف عنه جيل الشباب شيئًا سوى ما ذكره لهم آباؤهم، أو ما شاهدوه في بعض المقاطع المرئية التي تعرض المنتجات الاستهلاكية القديمة.
تذكَّر إذا كنت تجاوزت الأربعين أنك قبل 20 عامًا لم تكن تستطيع معرفة ما يدور في بعض أماكن العالم إلا إذا ذهبت إلى البقالة واشتريت صحيفةً، ولم تكن تستطيع مشاهدة إلا ما تبثه القنوات التلفزيونية، كما أنك كنت تذهب إلى الأسواق لتشتري قطعة ملابس، أو تقطع كيلومترات عدة في زحمة الشوارع حتى تسدِّد فاتورة الكهرباء، أو إلى المكتبة لتحصل على كتاب، أو تتعرَّف على محتواه. كم كنت مندهشًا وأنا أقرأ كتاب أنيس منصور “حول العالم في 200 يوم”، وهو يصف ما شاهده من سكان العالم، كان يبدو لي ما كتبه عجيبًا غريبًا، وهو ما صرت اليوم أشاهده في عشرات الفيديوهات والصور عبر الـ “سوشال ميديا”، ولا أحرص على مشاهدة بعضه لكثرته. اليوم لا يعرف مَن هم دون الـ 20 عامًا أننا كنا نذهب إلى مكتب السفريات لندفع ثمن التذكرة، ونشتري الكاسيت، والـ cd لنستمع إلى مطربينا المفضلين، ونقف عند الهواتف العمومية لنجري اتصالًا، كل هذا وأكثر تمَّ اختصاره بجهاز صغير متصل بالإنترنت! وعلى الرغم من أن العديد من الناس الذين قاربوا من الخمسين، أو تجاوزوا هذه السن، يشتاقون إلى سنوات صباهم وشبابهم اشتياقًا عاطفيًّا، إلا أن معظمهم لن يتنازل عن كل المكتسبات التي حصلوا عليها خلال الـ 20 عامًا الماضية إذا ما خُيِّروا بين الزمنين، لأنها مكاسب معرفية وخدمية لا تُقدَّر بثمن. وعلى الرغم من أن زمن ما قبل 20 عامًا كان متطورًا فعلًا بالنسبة إلى الأجيال السابقة، إلا أنه يبدو بطيئًا، ويكاد يكون بدائيًّا في تصوُّر شباب اليوم! ولأن الأشياء تتطور بسرعة سيارة رياضية، يبدو واضحًا أننا في هذا الزمن لن نعتاد على وسيلة إلا وتتبدَّل في سنوات قليلة. ليست الأوراق النقدية وحدها في طريقها إلى الزوال، بل وحتى البطاقات الإلكترونية، لأن الهاتف الصغير صار يحمل كل البيانات البنكية، وسيصبح الوقوف أمام محطات الوقود شيئًا من الماضي مع انتشار السيارات الكهربائية، ويُعتقد أن طائرات اليوم ستبدو مثل سلحفاة أمام طائرات المستقبل القريب، حيث يُتوقَّع أن تقطع المسافة بين نيويورك ولندن في ساعتين فقط. العالم تتغيَّر وسائله بصورة سريعة، ومهما غيَّرت معها بعض سلوكيات الإنسان وطباعه، لكن يجب ألا تغيِّر السمات التي تميِّزه، أخلاقه ومحبته لأخيه الإنسان.