> مقالات

أحمد الحامد⁩
طبخة الإيحاء
2020-11-07



قبل أعوام أصر صديقي المصري على تناول الغداء في بيته، والمصري كما هو معروف ودود و”عشري”، ولأن صديقي مصري فقد كان خفيف دم، حاولت الاعتذار لكنه كان يقول: “أنا حعملك طبخة الإيحاء”..
حاولت أن أستفسر عن مكونات طبخة الإيحاء لأنني لم أسمع بها من قبل، لكنه كان يجيب: “دي حتعرفها لما تشرفنا إن شاء الله.. إنما إيه حاجة مش عادية”.. وكنت طوال المدة التي سبقت الموعد أفكر بهذه الوجبة غير العادية، معتقداً كما قال صديقي أنها لذيذة، كما أسعدني أنني سأتعرف على وجبة مصرية جديدة، مع أنني تعرفت على معظم أصناف الطعام المصري من خلال الأفلام، ومازلت أتذكر استغرابي من تلك اللقطات التي يقول فيها الممثل وهو على مائدة الطعام: “مليش نفس”.. مع أن الطعام كان يفتح النفس.. كنت أقول من خلف الشاشة للممثل الذي “ما لوش نفس: حرام عليك”.. عندما أحضر صديقي وجبة الغداء كان قد بالغ في كرمه، وقدم أنواع المأكولات المعدة من اللحوم والأسماك، لكنني فشلت في التعرف على طبخة الإيحاء، سألته عنها وإن كانت موجودة على المائدة، فأجاب بأن ليس هناك طعام يسمى بالإيحاء، إنما هي نظرية يمارسها في حياته تجاه الأشخاص، وتتلخص في الإيحاء للمقابل بأنه حاجة عظيمة أو “كبّاره” حسب تعبيره، وأنه إنسان ناجح، وإن هذا الإيحاء يعمل على تحفيز القدرات لدى الشخص المقابل ويضعه على طريق مليء بالثقة بالنفس، فيخرج الإنسان أفضل ما لديه ويحقق النجاح لأنه امتلك مقوماته الأساسية، وأنه استخدمها معي بصورة ما لقبول الدعوة لتناول الطعام، ما ذكرني بطبخة الإيحاء هو فيديو قصير ترجمه عبدالله الخريف، الفيديو عبارة عن حكاية يرويها صاحبها غيرت من حياته للأفضل، وتبدأ عندما استلم نتيجة الاختبار المؤهل للجامعة، ورغم أنه كان طالباً عادياً إلا أن النتيجة التي وصلته عبر البريد كانت مرتفعة ولا يحققها إلا الطلبة المجتهدون، استغربت عائلته النتيجة لكنه كان واثقاً من مصداقيتها، اختار تخصصاً صعباً واجتهد في إظهار قدراته وحقق نتائج عالية غير مسبوقة لا تشير أبداً إلى أن صاحب هذه الدرجات العالية هو نفسه صاحب الدرجات العادية في المرحلة الثانوية، بعد أن تخرج وحصل على وظيفة مرموقة وحقق نجاحات في عمله، وصلته رسالته من الجامعة تخبره بأن العلامات التي حصل عليها قبل 11 عاماً كانت غير صحيحة، وأن درجته الصحيحة كانت أقل بكثير مما حصل عليه في الرسالة الخاطئة، صاحب الحكاية يعتبر الرسالة التي وصلته قبل 11 عاماً هي أفضل رسالة في حياته، لأنها وصلت لأعماقه.