|


أحمد الحامد⁩
بس ولو ...!
2021-07-14
قبل أيام حاولت أن أصالح بين اثنين من الأصدقاء، كانا قريبين من بعضهما، ولا يمر يوم أو يومان إلا ويلتقيان، بالإضافة للكثير من المواقف التي صنعت بينهما الحب والولاء ووثقت روابط الصداقة سنوات طويلة، لكنهما ومنذ أكثر من عام كانا على انقطاع تام، أما لماذا حدث الخلاف طالما أنهما في مثل
هذه الصداقة المتينة فلأنهما بشر، ولا بد من أن يرتكب أحدهما أو حتى الاثنين خطأً قد يتوقف عنده الآخر، وبعض الأخطاء التي تبدو عند طرف عادية تبدو عند الآخر جرحاً.
بعد جولات من الاستماع كل على حدة، وبعد ثلاثة أسابيع من محاولاتي في تقريب وجهات النظر، حددت بينهما موعداً، وحددت النقاط التي سيتم مناقشتها ومن ثم حلها، واستبعدت بعض النقاط التي لا داعي لذكرها لأنها أمور عادية تحدث بين الأصدقاء، كنت أعتقد أن اجتماعنا من أجل حل الخلاف لن يتجاوز نصف ساعة، أما باقي الوقت فسنقضيه ونحن نتناول العشاء في أحد المطاعم والابتسامة تعلو وجوهنا، هكذا تخيلت النهاية، وأنا ومن خلال تجربتي مع نفسي لست الشخص المناسب لوضع تصورات واقعية، لأنني دائماً أقدم الصورة الوردية والمثالية عن الأشياء، بينما هذه الاحتمالية هي احتمالية واحدة ضمن عدة احتمالات مختلفة جداً لا أحسب حسابها، لم أعتقد أن النقاش سيتجاوز ساعتين، وبأنني سأواجه مع أحدهم معضلة “بس ولو” التي سمعت عنها قبل عدة سنوات، أما معضلة “بس ولو” وملكيتها الفكرية للصديق أحمد الحصان الذي ذكرها لي سابقاً فهي كالآتي: تدخل في نقاش مع شخص وتذكر له الأدلة والبراهين، والأرقام والتواريخ، وتضرب له الأمثلة، وقد تبرز له بعض الأوراق، ثم يوافقك على كلامك لكنه ينهي الحديث بالجملة التالية: كلامك صحيح.. بس ولو!.
هكذا وبكلمتين ينسف كل كلامك وبراهينك التي وافقك عليها هو نفسه. أمضيت أنا وصديقه نحاول أن نثبت له أن ما بنى عليه خصومته لم يكن منطقياً، وراح صديقه يثبت له بالأدلة والبراهين والتواريخ، وراح هو ينهي كل حوار يوافق عليه: بس ولو!. أعتقد أن جماعة بس ولو ليست لديهم المقدرة على التخلي عن أفكارهم وتصوراتهم الخاطئة حتى بعد معرفتهم بأنها خاطئة، ولا أدري إن كان ذلك من باب الحفاظ على “العِشرة” مع الخطأ .
كل نقاش ناجح بين اثنين أو أكثر يحتاج إلى توافر أساسيات، منها أن يكون الاستماع لفهم رأي ووجهة الطرف الآخر ومناقشته والميل معه والاقتناع به إذا كان مقنعاً. أعود لوساطتي التي نجحت بين الصديقين، لكنني عدت إلى البيت دون مرافقتهما إلى المطعم بعد أن تأخر الوقت، أما هما فقد ذهبا ليتناولا العشاء في المطعم القريب. من المطعم اتصل بي الشخص الذي أتعبني بالنقاش وهو يعاتبني على عدم مرافقتي لهما لتناول العشاء، أجبته أنني تأخرت على أسرتي والمسافة إلى بيتي طويلة، أجاب وصوت مضغه للطعام يملأ سماعة الهاتف: صحيح .. صحيح.. بس ولو!.