ضعف الفئات السنية والدوري الرديء انعكس على المنتخب في نهاية المطاف
لم تكن الكرة السعودية ضحية أخطاء مدرب أو لاعبين لم يقدموا المستوى المطلوب منهم.. بل هي ضحية سلسلة من الأخطاء بدأت من القاع وانتهت للقمة.. وإعادتها إلى سابق عهدها لن يكون عبر قرارات عاجلة هدفها امتصاص الصدمة بل صدمة إنعاش تبدأ من القاع وإصلاح التركيبة الرياضية السعودية.. من أجل إيجاد جيل من اللاعبين الذين يملكون مقومات اللاعبين الكبار.. عدا ذلك سيكون كل ما يحدث مضيعة للوقت ولن نتحسن إلا كي نعود لننتكس مرة أخرى.. وهي حالة جربناها كثيرا منذ عام 2002 وحتى الآن:
يخطئ من يربط نكسة الكرة السعودية المستمرة من أكثر من ثماني سنوات بأخطاء مدرب أو سوء أداء لاعبين.. فالكرة السعودية تعاني من خلل كبير في منظومتها الأساسية بدء من تنظيم الدوري السعودي ومرورا بالأخطاء الإدارية والفنية وانتهاء بأوضاع اللاعبين والفئات السنية.. ولن يكون من الممكن عودتها للسيادة الآسيوية إلا من خلال عمل جاد يبدأ من الصفر.. وألا تكون القرارت والخطط وقتية لامتصاص صدمة الخروج المذل من كأسالأمم الآسيوية 2011.. كما فعلنا بعد كأسالعالم 2002 وآسيا 2004 والخروج من تصفيات مونديال 2010.. فكثيرة هي النكسات وأكثر منها القرارات التي لم تطبق.
تعاني الكرة السعودية من أزمة عمل غير احترافي يعصف بكل منجزاتها السابقة.. فما يحدث حإلىا هو تلاعب بتاريخ عريق بدأ من عام 1984.. فالنهج والهدف يتغير من بطولة لأخرى مابين اكتشاف جيل للمستقبل وضغط تحقيق البطولة والسبب أن الاحترافية شبه غائبة عن كل شيء.
بعد صدمة 2002 بدأنا مرحلة إعداد جيل جديد للكرة السعودية ورفعنا شعار التجديد وكانت الحصيلة لاعبين صغارا انتزعوا كأسي الخليج والعرب في الكويت.. ولكن ماحدث أنه وبعد أربع سنوات هو أننا ذهبنا إلى كأس العالم 2006 بمنتخب يمثل جيل 2002 أكثر من 70 % منه.. فعادت النكسة مجددا بعد عام.. فلا الكبار استمروا ولا الصغار وجدوا الفرصة.. واستمر الأمر مع منتخب الأحلام في كأس آسيا 2007 فلم يبق منه سوى أقل من 40 % منه.
ولا أحد يعرف ماذا قدم فريق تطوير المنتخبات السعودية خلال الأربعة عشر شهرا الماضية.. فالقرار الوحيد الملموس لها كان الإبقاء على المدرب بسيرو.. وهو لم يكن قرارا جيدا.. فصحيح أن الاستقرار على نهج تدريبي واحد أمر جيد ولكن لابد أن يكون لدى المدرب نهج مستقبلي واضح وخطة عمل محددة ولكن كان من الواضح أن بسيرو حتى أثناء عمله مع الهلال قبل أن يطرد لا يعرف كيف يستقر على رأي.. فهو لا يلعب مباراتين متتاليتين بتشكلية واحدة فكان من الطبيعي أن يكون نتاج عمله فريق مشتت وغير متجانس وغير مستقر فنيا.. فكان من غير المستغرب أن تكون النتيجة هي خروج المنتخب السعودي من تصفيات كأس العالم 2010 وكأس الخليج والآن كأس آسيا الأخيرة.. فالثقة منحت لمن لا يستحقها.
ولو أن هذه الثقة كانت من نصيب الأرجنتيني كالديرون الذي قاد المنتخب السعودي للتأهل لكأس العالم 2006 بمستوى مذهل أهله للفوز على كوريا الجنوبية في الرياض وسيول أو للبرازيلي أنجوس الذي قدم في كأس آسيا 2007 منتخبا مذهلا سميناه منتخب الأحلام ولكن للأسف بعد أربع سنوات لم يبق منه سوى سبعة لاعبين فقط.. لو أن الثقة منحت لأحد هذين الاثنين لكان الوضع أفضل وإن كان سيكون أفضل بدرجة بسيطة وليست كبيرة.. فالمشكلة اكبر من مجرد مدرب.
تطغى العشوائية في عمليه اختيار المدربين وطردهم.. فهل يعقل أن يكون مصير مدربين رائعين أمثال أتوفيستر وفنجادا وكارلوس البرتو وكإلديرون وأنجوس هو ذاته مصير بسيرو.. وهل يعقل أنه في خلال خمس سنوات تعاقب كالديرون وباكيتا وانجوس وناصر الجوهر وبسيرو على تدريب المنتخب؟ وألا يستمر لأطول فترة إلا أسوأهم.. أين دور لجنة المدربين وخبراء الكرة السعودي في عمليه التقييم؟ ألم يكن هناك خبير واحد قادر على تنبيه الإداريين على أهمية الاستقرار الفني الذي عصف ضياعه بكل شيء؟ ما دور مدربين كبار على المستوى الآسيوي كخليل الزياني ومحمد الخراشي وخالد القروني ولاعبين كبار كصالح النعمية وماجد عبدالله وسامي الجابر ومحمد عبد الجواد واحمد جميل في توجيه النصح والإرشاد فلا يعقل أن يكون أي مدرب أكثر فهما من كل هؤلاء.. خاصة وإن كان مدربا مغمورا لا تاريخ له كبسيرو.. الشيء الغريب أن يتعاقد الهلال مع البلجيكي جيرتس والاتحاد مع البرتغالى جوزية وهما مدربان عالميان فيما يفشل المنتخب السعودي في الحصول على مدرب له تاريخ يشفع له إن أخطأ في التقدير.
حسنا.. عملية اختيار واستقرار الجهاز الفني لها دور كبير.. ولكن المشكلة التي تعاني منها الكرة السعودي أكبر من ذلك.. فهي مشكلة سببها خلل كبير في القاع.
أزمة ليست جديدة
منذ فترة طويلة والفئات السنية السعودية تعاني من هبوط حاد في المستوى والنتائج.. وكان التأهل لكأس العالم المقبلة للشباب الإنجاز الوحيد للكرة السعودية الصغيرة ولكن لم نبلغ حتى نهائي كأس آسيا واكتفينا بالتأهل للموندبال فقط . وفي المقابل خروج من اولمبياد أثينا واولمبياد بكين وأكثر من كأس عالم للشباب حتى أن منتخبات الناشئين غابت حتى عن كأس آسيا في السنوات الماضية.. ولأن الفئات السنية تراجعت كان من الطبيعي مع الوقت أن ينعكس هالتراجع على المنتخب الأول فكما أن منتخبي الإمارات العربية المتحدة وعمان استفادوا من جيل منتخباتهم السنية المتميزة تضررت الكرة السعودية من أجيال منتخباتها السنية الرديئة.
لم نر حتى الآن خطوات جادة لتطوير الكرة السعودية من القاع.. فتنظيم بطولة للفئات السنية لا يكفي.. يجب أن يقوم الاتحاد السعودي لكرة القدم بعملية إشراف كاملة على تطوير اللاعبين الصغار في أنديتهم.. فمن الواضح أن الأندية لا تقوم بعملها كما يجب.. وهي تسند مهمة تدريب الصغار لمغمورين لا يكلفونهم الكثير.. لذا من المهم ألا يتم منح فرصة التدريب في الأندية إلا لمدربين يحظون بموافقة الاتحاد عليهم.. فالمهم في تلك الفئات تطوير أداء لاعبين للمستقبل وليس الفوز ببطولات صغيرة..
فكانت الحصيلة لاعبون لا يجيدون أبسط أبجديات الكرة كرفع الكرة العرضية أو التمرير أو حتى استلام الكرة.. فهم لم يلتفت لهم عندما كانوا صغارا فلم يعد بالإمكان تعليمهم بعد أن كبروا.. كثر الحديث عن الاهتمام بالفئات السنية ولكن لم يظهر حتى الآن مؤشر واحد لهذا الاهتمام فمازالت الأندية تتعامل مع الفئات السنية بدون اهتمام من خلال إسناد مهمة تدريب الصغار لمدربين مغمورين غير قادرين على تطوير مستويات اللاعبين ليصلوا إلى الفريق الأول وهم يفتقدون للكثير من أسآسيات كرة القدم.
لاعبون ضعاف
لا يقتصر ضعف اللاعب السعودي على فقدانه مهارات أساسية في كرة القدم.. بل يتجاوز الأمر إلى بنيته الجسدية.. لا يمكن أن ينجح اللاعب السعودي في مقارعة منتخبات قوية وهو يفتقد للتكوين العضلي الذي يمكنه من تحمل الجهد البدني العالى الذي تتطلبه الخطط الحديثة.
من يشاهد عبدالله الشهيل وسعود كريري ونواف العابد وأحمد الفريدي وإبراهيم غالب وغالبية لاعبي الدوري السعودي يستغرب من تكوينهم البدني الضعيف.. ففي عالم كرة القدم الحديثة لاتكفي الموهبة فقط للنجاح بل تحتاج إلى جهد بدني عال وقوة عضلية كبيرة.. والحديث ليس عن قصر البنية فهي أمر يصعب تفاديه وهو أمر لم يمنع الأرجنتيني مارادونا من أن يكون أعظم لاعب في تاريخ كرة القدم.. ولكن الأهم هو أن يكون اللاعب القصير قوي بدنيا.. ويملك من القوة مايمكنه من الالتحام مع المدافعين والصمود امامهم.
وماشاهدناه حاليا أن اللاعب السعودي يسقط في أي التحام مع الخصوم لأنهم أقوى منه.. فالجانب البدني والعضلي مفقود في التدريبات.
انعكس الضعف العضلي للاعبين على كثرة إصاباتهم وخاصة العضلية فهي لا تحتمل الجهد البدني العالى.. والملاحظ أن أطباء المنتخب السعودي يقضون معظم الأسبوع الأول من كل معسكر في تجهيز اللاعبين المصابين.. وفي كثير من الأحيان يتم فقدان لاعب أو أثنين للإصابات العضلية.. كما أن اللاعب السعودي من أكثر لاعبي العالم تعرضا لإصابة قطع الرباط الصليبي.. فخلال الأعوام الثلاثة الماضية تعرض أكثر من 87 لاعبا لهذه الإصابة الخطيرة.. ومن أهم تلك الأسباب هو أن عضلات اللاعبين ضعيفة ويعتمد على أربطته في تثبيت ركبته وليس عضلاته.. وهي تخونه في كثير من الأوقات.
تذكرت حديث سبق وان قاله لي مدرب لياقة المنتخب السعودي جوميز الذي اشرف على المنتخب السعودي لياقيا في كأس آسيا 2004 عندما قال إن مشكلة المنتخب السعودي الأكبر هي في ضعف بنية لاعبيه ونقصهم البدني.. يومها قال أن لاعبين كسعود كريري ومبروك زايد وطلال المشعل هم لاعبون ناقصون بدنيا ولابد من تقوية أجسامهم.. وأنه حاول جاهدا تحسين ذلك ولكنهم فشلوا.. وفهمت أن المشكلة مازالت قائمة ولايبدو لها حل قريبا.
يجب أن تكون البداية من الصغر لتطوير اللاعب بدنيا بقدر تطويره فنيا.. فالمهارة وحدها لم تعد تكفي.
البداية من الداخل
تكمن بداية العلاج في الدوري السعودي.. فدوري قوي يعني منتخبا قويا.. ودورينا بهذا الشكل لا يمكن أن يسفر عن منتخب قوي فهو لا يبدأ إلا من أجل أن يتوقف بعد أربع أو خمس جولات فقط.. وهو أمر لا يسمح للاعبين بالوصول إلى مستوى فني متجانس أو إلى مستوى لياقي متقدم.. فتأرجحت مستوياتهم بين التوقف والبدء حتى باتت فترات التوقف أكثر بكثير من فترات اللعب.. فعلى الرغم من أن دوري زين السعودي للمحترفين انطلق في منتصف شهر أغسطس الماضي إلا أنه وبعد مرور ستة أشهر مازلنا في المرحلة الخامسة عشرة فقط منه.. مع أنه في كثير من المرات كانت المراحل تلعب في خمسة أيام.
أيضا.. هناك عمل كثير غير احترافي يدور في الأندية.. بداية من عدم تسديد رواتب اللاعبين لأشهر طويلة ونزاعات مع لاعبينهم واختيارات سيئة للمحترفين غير السعوديين .. وعشوائية في أختيار المدربين وطردهم تماما كما هو الحال في المنتخب.. وتصاريح عنيفة من مسئولي الأندية فيما بين بعضهم البعض تتطاير في كل صوب واتجاه تسببت في تشتت ذهن اللاعبين بشكل كبير.. وهو ما أسهم في هبوط مستواهم.. والمتضرر الأخير من كل ما يحدث المنتخب الذي يصله اللاعبون وهم في حالة يرثى لها فنيا ونفسيا وبدنيا.. فعندما يبدأ رئيس ناد في التصريح بأن ناديه مستهدف من الحكام ويتدخل آخر للشجار مع حكم وسط الملعب في من الطبيعي أن ينعكس هذا الأمر على أداء اللاعب الذي يعيش في عالم من الشك أنه لن يفوز مهما فعل فيهبط مستواه لأنه لن يبذل جهدا لتطوير نفسه للفوز.. فهو يعتقد أنه سيخسر في كل الحالات.
ليست هناك رقابة كافية على اللاعبين فالسهر مازال متفشيا بين أوساط المحترفين ناهيك عن التدخين والغذاء غير الصحي.. ولأن فاقد الشيء لا يعطيه لا يستطيع مدراء الكرة غير المحترفين في الغالب في السيطرة على لاعبيهم.
وانعكست عدم احترافية الأندية على العاملين في لجان الاتحاد القادمين أصلا من الأندية فلا تكاد واحدة منها تسلم من الهجوم من رؤساء الأندية ومدراء الكرة.. سواء لجنة الحكام صاحبة النصيب الأكبر من النقد أو لجنة الانضباط أو الاحتراف وغيرها من اللجان التي لا يعرف دور الكثير منها.. فعلى الرغم من تعدد لجان الاتحاد السعودي لكرة القدم فإنها عجزت عن أبسط الأمور وهي تنظيم دوري قوي.
لم يعد الدوري قادر على إيجاد لاعبين يصلون للمنتخب وهم في كامل جاهزيتهم الفنية ناهيك أن كثرة المشاكل التي تصاحب تلك المباريات من أخطاء حكام ومشاكل إدارية وتوتر يؤثر على اللاعبين.. فكانت النتيجة أن كثيرا من المباريات دون المستوى الفني المأمول وكثير من الفرق هبط مستواها بشكل لافت للنظر سواء الهلال أو الاتحاد أو الشباب والأهلي والنصر وهي بالتأكيد الأندية الأهم في الدوري السعودي وجل لاعبي المنتخب منهم.. وإذا لم تحل تلك المشاكل فلن يكون أي تحسن للمنتخب إلا تحسنا محدودا سيعود بعده للانهيار مجددا.. والشواهد مازالت حاضرة.. فالأندية السعودية غابت عن كأس آسيا منذ ست سنوات.. ومن البديهي أن يكون هبوط مستواها مرتبطا بهبوط مستوى المنتخب فاللاعبون هم ذاتهم.