الرجل الصالح واليتيم
يحكى أن رجلا صالحا من علية قومه رزقه الله المال والجاه والقرب من السلطان.. رباه والداه على الكرم والحلم والصبر.. وقابل ذلك بالإيمان والحكمة والشكر، ولأن المؤمن مبتلى فقد ابتلاه ربه في واحد من أحب أبنائه وأقربهم إلى قلبه.
ولهذا الابن قصة أوردها باختصار، فقد أراد الرجل الصالح أن يتبنى شابا يتيما يستطيع من خلاله أن يقدم عملا خيريا للمجتمع الذي يعيش فيه وينتشله من حياة البؤس والفقر هو وأبناء المكان الذي تربى فيه، ويجعل منه ومن أقرانه أعضاء فاعلين في المجتمع، ولهذه المهمة اختار رجلا يثق فيه ليرعاه ويقوم على شؤونه. ولأن الرجل الصالح يريد من كل ذلك وجه الله الكريم فقد كانت كل طلبات (اليتيم) مجابة مهما كانت ومهما بدت مبالغا فيها. ومع مرور الوقت بات هذا اليتيم الأميز بين أقرانه كما أراده متبنيه، وأصبح قريبا جدا لقلب الرجل الصالح ويعتبره ابنا له وكأنه خرج من صلبه.
ولكن بعد أن برز اليتيم وأضحى وجوده باب رزق لكل المنتمين إلى طبقته السابقة، ظهرت مجموعة من الوصوليين الذين أرادوا أن يتخذوا من هذا اليتيم طريقا للوصول إلى الرجل الصالح.. مدعين في ذلك محبة اليتيم والرغبة في خدمته ورعايته..وحاكوا لأجل الوصول لذلك المؤامرات ونسجوا الحكايات حتى تمكنوا من إبعاد الرجل الذي (أسعد) اليتيم وكان همزة الوصل بينه وبين الرجل الصالح، وتسببوا في إبعاده عن الصورة ليخلوا لهم المكان ويستمروا في مخططهم دون حائط سد يمنعهم من ذلك.
وتلقف الوصوليون ذلك اليتيم وأظهروا حبهم له وسعيهم لتحقيق مصالحه، وأبطنوا الحقيقة التي جاءوا من أجلها، وبعد بضع سنوات من المحاولات الفاشلة لتحقيق هدفهم، ولأن الله (إذا أراد للنملة الزوال أنبت لها ريشا).. وقعوا في شر أعمالهم وباتوا منبوذين من كل أطياف المجتمع، فعادوا لأصلهم النابع من تربيتهم في تلك البيئة الرديئة حيث لا أخلاق ولا أهداف سامية ولاحرص على الصالح العام وإنما القاعدة الأساسية هي (الغاية تبرر الوسيلة) مهما كانت الوسيلة وضيعة.
وعندما فقدوا الأمل رفضوا الابتعاد وترك ذلك (اليتيم) ينعم برعاية الرجل الصالح، وأصروا على أن يسحبوه معهم إلى الدرك الأسفل من المجتمع، فإما أن يستفيدوا من تلك الرعاية أو أن يخسر الجميع.
ولأن الرجل الصالح فعل كل ذلك انطلاقا من إيمانه بواجبه تجاه مجتمعه، وبعد أن وصل القذف بالحجارة إلى شبابيك منزله، فقد فضل أن يبتعد عن هذا (اليتيم) والوسط الذي يعيش فيه كونه بذل له الكثير والكثير.. تاركا الفرصة لغيره لعل أحدا يحذوا حذوه ويؤمن بأهمية هذا العمل في خدمة الوطن، ولأنه أيضا ليس مجبرا على تحمل كل ذلك العبء وحده ثم لا يجد حمدا ولا شكورا.
ولكن الجميع بلا استثناء تخلوا عن ذلك (اليتيم) حتى بات يتسول لقمة العيش ولايجد غطاء يستر به جسده ولا فراشا يقيه حرارة الأرصفة، ووصل به الحال لانتظار الصدقات وطلب الهبات التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
انتهت الحكاية..وللرجل الصالح أقول إن من يفعل الخير لا يعدم جوازيه وابنك اليتيم بات يثير شفقة الشامتين ولقمة سائغة للمتربصين..وتلك الشبكة الخيرية الاجتماعية التي بنيتها حوله تداعت وباتت آيلة للسقوط..فهلا رأفت بحاله واكتفيت بما عاقبته به على جرم لم يرتكبه طوال الفترة الماضية..أم أنك ستتركه على حاله حتى تستفيق في يوم على خبر وفاته.