أحلام عيد تكلف مليار يورو
شكل تتويج أحمد عيد رئيساً للاتحاد السعودي لكرة القدم، خلفا للأمير نواف بن فيصل ومن قبله الأمير سلطان بن فهد والأمير فيصل بن فهد والأمير خالد الفيصل، الرؤساء الذين تولوا دفة الأمور في اتحاد الكرة طيلة السنوات الماضية، شكل تحدياً من نوع خاص، قاد الرجل للتنقيب ومنذ وقت مبكر عن تجربة تلهم برنامجه الانتخابي وتقود الكرة السعودية إلى آفاق التطور والتتويج بالبطولات.
ولم يخف عيد إعجابه الكبير بالتجربة الألمانية، كمرشد لنهضة الرياضة في بلده، وهو ينوي استزراع بذورها بأمل ان تصيب النجاح الذي تحقق هناك، حيث براعة التخطيط والاعتماد الكامل على التأهيل في أكاديميات مبذولة بمفهومها العلمي الحديث، ومنتشرة بكثرة بعدد وتعداد أندية البوندسليغا، مع حظوة بالنصيب الأكبر من خطط واستراتيجيات واموال الاتحاد الألماني ووزارة الرياضة هناك.
عيد ليس وحده
وتُظهر التقارير أن رئيس الاتحاد السعودي ليس وحده المفتون بالتجربة الألمانية، اذ يشاركه الرضاء والاعجاب بثمار تلك التجربة التي اعادت الرياضة الالمانية الى مجراها الصحيح وحلقت بالاندية الالمانية في نهائي تاريخي لاندية ابطال اوروبا على حساب قطبي الكرة الاسبانية ريال مدريد وبرشلونة، يشاركه كل ذلك الاتحاد الأوروبي (يويفا) الذي اعتبر أن السياسة الألمانية في قطاع الشباب أصبحت نموذجاً يحتذى به ومضى الاتحاد الاوروبي أكثر من ذلك حين منحها من قبل لقب التجربة صاحبة النظام الأفضل في أوروبا.
إثارة في الانتخابي
تضمن برنامج عيد الانتخابي وعودا كبيرة وجاذبة لتطوير منظومة الكرة السعودية، لكن الاثارة ترافقت مع وعده اقتفاء التجربة الألمانية ليتجاوز بالأخضر تراجعاته الأخيرة بعد أن ودع بطولات الخليج وآسيا، وسبقه إخفاق الوصول إلى نهائيات كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا، ثم وداع منافسات التأهل للمونديال المقبل في البرازيل 2014م. ويشير رهان عيد وخبرته على مستوى الاتحاد واللجان والمنتخبات، أو حتى الأندية، فضلاً عن كونه ممارساً للعبة كرة القدم قبل عقود، إلى تجربة تطوير المنظومة بأكملها من خلال تغطية عناصر اللعبة من إدارة وتحكيم وتدريب ولاعبين وجماهير وبنيات تحتية عن وعي كبير يبشر بمستقبل مشرق للنهوض باللعبة.
بدايات متشابهة
تكاد تكون الظروف متشابهة إلى حد كبير بين المنتخبين الالماني والسعودي فمثلما ودع الأخضر بطولات اقليمية عديدة وتدنت المستويات التي يقدمها في السنوات الأخيرة، فإن خروج المنتخب الالماني خلال يورو 2000 بنقطة وحيدة وهدف وحيد أحرزه محمد شول، الهم العقول الالمانية للبحث عن حلول جذرية للمشكلة الفنية التي وضح ان آثارها ستحرم الكرة الالمانية من أمجادها، ونجحت المبادرات التي انطلقت للبحث عن اسباب المشكلة وايجاد حلول لها عن استنفار كامل لروابط الاتحاد الألماني، ودعوتها لتشريح الأزمة والوقوف على مسببات النكسة والتراجع، لتصل إلى ضرورة إنشاء أكاديميات تشكل اللبنة الأولى لبناء مستقبل ناجح لكرة القدم الألمانية.
بين ماير وعيد
يضع سعي عيد لاستحداث تجربة اكاديميات سعودية الرجل بموضع عراب النهضة والتطوير مثلما قاد ثورة التغيير الالمانية جيرارد ماير فورفيلدر رئيس الاتحاد الألماني آنذاك ، والذي اجتمع مع ممثلي 36 نادياً، وبحضور ممثلين للشركات الاستثمارية والوسائل الإعلامية، لتوحيد الجهود بالقيام بإصلاحاتٍ جذرية ووضع قوانين إلزامية، تهدفُ لحل المشكلات المالية للأندية الالمانية، وتعمل على الاهتمام بالمواهب الشابة المحلية والحفاظ عليها وتطويرها، عبر توفير الدعم اللازم مادياً و قانونياً. كان من أهم القوانين التي تم سنها، هو إجبار الأندية الألمانية من الدرجتين الأولى و الثانية على إنشاء أكاديميات كرة قدم ضمن مواصفات محددة، تسمحُ بتخريج مواهب شابة المانية، قادرة على منافسةِ المواهب الأجنبية التي تُرهقُ ميزانية الأندية الألمانية.
نجاح مبكر
تأسست ومنذ العام 2002 36 أكاديمية كرة قدم للأندية الألمانية المحترفة بالإضافة الى أكثر من 360 مدرسةٍ رياضية، تهتم باكتشاف المواهب وتعمل على تطويرها وتحسينها وفقَ نظام متقدم إدارياً ومالياً، ويخضع لرقابةِ لجنة مختصة بالجودة. وباتت وفقاً لها نسبة خريجي أكاديميات الأندية الألمانية تشكل أكثر من 57% من لاعبي البوندسليجا، و أكثر من 71 % تشكل نسبتهم من لاعبي أندية الدرجة الثانية. وأخرجت مجموعة من المواهب التي تتمتع بتقنية عالية و قدرة تكتيكيّة كبيرة في البوندسليغا أمثال باستيان شفاينشتايغر, فيليب لام, مانويل نوير، إضافة إلى لاعبين شباب مثل ماريو غوتزه, أندري شورله، توماس مولر, والأخير كان هدّاف بطولة كأس العالم 2010 في جنوب افريقيا وهو لم يتجاوز العشرين من عمره بعد. وفي تلك البطولة سحق الألمان منتخبات كبيرة بنتائج كبيرة وخرجوا بسيناريو غريب.
إغراء مستمر
تشير التقارير إلى أنه من بين 525 لاعباً في البوندسليغا, هناك 275 لاعباً تدرّبوا و نشأوا تحت عمل هذه الأكاديميات. وهذا يعني أن ما يقارب 15 لاعباً تدرّب في الأكاديميات في تشكيلة كل فريق بالبوندسليغا. وهي نسبة مؤكد أنها تشكل إغراء كبيراً لرئيس الاتحاد السعودي وتدفعه دفعاً نحو الوصول لغاياتها. وليس عيد وحده المفتون بنجاح التجربة الألمانية فالرئيس التنفيذي لرابطة البوندسليغا, كريستيان سيفرت نفسه يرى أن أحد الأسباب الحاسمة لهذا النجاح هو العمل البارز لأكاديميات البوندسليغا.
أبعاد الاقتصادية
وفي الوقت الذي تأثرت أكبر الأندية الأوروبية بموجة الكساد الاقتصادي ، و التي كانت تعتمد في ميزانيتها على رجال الأعمال و كبرى الشركات، تمكنت الأندية الألمانية من السيطرة على الأزمة وتجاوزها والحد من تأثيراتها السلبية، باعتمادها الكبير على أبناء أكاديمياتها وحداثة بنيتها التحتية وجودتها، ولأنها كانت و منذ 10 سنوات تعتمد على زيادة الأرباح، فلا تنفق أكثر من 40% من إيرادتها على رواتب وتعاقدات اللاعبين، في حين تقوم أندية أوروبية أخرى بصرفِ أكثر من ثلثي إيرادات الميزانية على شراء اللاعبين ورواتبهم.
تحديات التجربة
ولعل أبرز تحديات إنزال التجربة الالمانية إلى ارض الواقع السعودي أنها تتطلب تمويلاً كبيراً يشكل بدوره تحدياً جديداً لرئيس اتحاد الكرة السعودية. وتكفي الإشارة إلى أن أندية البوندسليغا صُرفت 90 مليون يورو خلال موسم واحد، وأنفقت منذ 2001 نصف مليار يورو في قطاعاتها السنيّة. لتثبت أنها الاستثمار المفيد الذي أجبر عيد على اقتفاء أثره, فقد أعاد كرة القدم الألمانية إلى نخبة أوربا. حيث تمكنت البوندسليغا مؤخّراً من خطف مقعد ثالث في التصنيف الأوروبي و استعادة المقعد الرابع أمام إيطاليا وينتظر ان يمنحها التفوق الأخير على الثنائي ريال مدريد وبرشلونة فرصة التقدم على الأسبان أيضاً في التصنيف.
مكاسب أخرى
قدمت التجربة الألمانية مكاسب أخرى للعبة وللانسانية وحرص برنامج رئيس الاتحاد السعودي الانتخابي على تضمينها أيضا، وتتعلق بتجربة الوصول إلى اللاعب المحترف بكل ما تتضمنه العبارة من مدلولات واشتراطات، ففي التجربة الالمانية حدث الاندماج بين الأجانب و أبناء المهاجرين في المجتمع الألماني، وهو عين ما أشار إليه عيد وهو يطرح فكرة دمج أبناء المقيمين بالسعودية ضمن المنظومة الكروية لاتحاده. وقد اكدت تجربة العمل للـ36 أكاديمية لأندية البوندسليغا, نجاحاً كبيراً في جعل الاندماج بين اللاعبين واقعاً بغض النظر عن أصولهم, فقد بدوا أكثر حماسة للتعلم, وأظهروا نجاحاً أكبر في التعايش مع زملائهم الألمان أكثر من نظرائهم في التعليم العام.
الاخطبوط ميركل
قادت نتائج التجربة الالمانية الماثلة الى مزيد من في الاوساط الالمانية للدرجة التي قادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، للتوقع وفي وقت سبق لقاء الثنائي الالماني مع نظيره الاسباني في نصف نهائي الابطال تأهل الثنائى بايرن ميونيخ وبوروسيا دورتموند إلى نهائى بطولة دورى أبطال أوروبا على حساب برشلونة وريال مدريد، ليكون نهائى البطولة الأوروبية "ألمانيًا خالصًا". وكانت ميركل قد قالت فى تصريحات لصحيفة "بيلد" الألمانية ردًا على سؤال ما إذا كانت ستحضر مباراة نهائى دورى الأبطال فى حال وصول أحد الفريقين الألمانيين "أتوقع فى المقام الأول وصول البايرن ودورتموند إلى نهائى البطولة، وبعدها سنرى ما سيحدث".
ماركا تعترف
واجبرت النجاحات التي ينوي عيد أيضا الحصول عليها صحيفة ماركا الاسبانية للاعتراف بقوة الألمان وجدارتهم في الوصول لنهائي ألماني خالص، فقد كتبت الصحيفة :" الألمان قادمون، وفق فلسفتهم الجديدة وهي المتعة والقوة بقليل من المال وبعيداً عن البذخ الذي تعاني منه الأندية الإسبانية، ومن المتوقع أن يسيطر البايرن على كل شيء خلال السنوات المقبلة، كما أن بروسيا دورتموند يمكنه الاستمرار في الصدارة مع مدربه الرائع يورجن كلوب شريطة ألا يفرط في نجوم الفريق" . ولعل كلام الصحيفة الالمانية ذائعة الصيت يعضد من الافادات التي اكدت نجاح تجربة اكاديميات النشء وأصابت من خلال العروض والمستويات المميزة التي اصبحت سمة الكرة الالمانية في السنوات الأخيرة.
السلطة الكروية
يؤكد خيار رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم بالتوجه صوب التجربة الالمانية عمق نظرته ودقة تصويبه باتجاه كل ما يتعلق بنشاط الساحرة المستديرة في العالم من حوله، خاصة بعد ان كشف وصول الثنائي الالماني الى نهائي الابطال الاوروبي عن انتقال مفاتيح السلطة الكروية في القارة العجوز إلى ألمانيا، بعد أن كان البارسا والريال يسيطران على المشهد الكروي من الناحية الجماهيرية على الأقل، ولعل عيد يقدم من بين فرق الدوري السعودي نادياً مثل البايرن أو دورتموند، فالأول أحد القوى الكروية الكبيرة في أوروبا في ظل وصوله إلى نهائي دوري الأبطال في عام 2010 ثم 2012، إلا أن النسخة المرعبة من الفريق الألماني ظهرت بوضوح خلال الموسم الجاري، حيث يقترب الفريق بقوة من الحصول على الثلاثية التاريخية "الدوري والكأس ودوري الأبطال". وما فعله دورتموند استثنائي بكل ما تحمله الكلمة من معان، فهو يثبت المقولة الشهيرة "المستحيل ليس ألمانياً". عندما تحتاج هدفين للتأهل وأنت في الوقت الضائع وأمامك 4 دقائق فقط محتسبة كوقت بديل وتسجل هدفين فهذا هو الجنون وسحر المستديرة.