كما أنت يا عميد.. تنتصر على الظروف
ما كان للاتحاد مرتع يتواءم مع عمره الممتد تسعين حولاً وربيعاً كما هي المراكز الأولى.. مرت به الأبطال كلمى هزيمة كما قال المتنبي.. مرت به الظروف والصعوبات والعقبات ما كبر منها وما صغر.. مرت به نوائب الدهر ونوائب الزمن ونوائب الفقد..
مرت به الضربات التي لا ترحم.. مرت به مواجع ما إن يشفى من إحداها حتى بحثت أخرى عن مكان يليق بها في جسد العميد المثخن بالجراح.. كلها مرت من هنا.. كل تلك الآلام والأحزان أخذت لها مواعيد ومواقيت مع النمر الذي أضنته الليالي الموحشة..
رحم الله أحمد مسعود وأسكنه الفردوس الأعلى.. جاء رجل العاصفة وتصدى لأصعب مهمة في تاريخ الاتحاد.. بدأ يلملم الأوراق التي قذفت بها الريح إلى أرض فضاء خالية ممتدة إلى أبعد مدى.. سابق الأيام لكن ملك الموت اختطفه.. كان الموت أسرع.. ضربة أشبه بالقاضية تلقاها الاتحاديون وهم يحملون نعشه قادمين من تركيا.. بدأ الموسم الاتحادي بجوقة حزن كريهة.. تولى المهمة نائبه المهندس حاتم باعشن، وجعل من ابن الفقيد نائباً له..
فرقة تعاهدت على إعادة اتحاد جدة الكبير إلى حيث يحلم ويتمنى ويريد جمهور العاشق الولهان.. دخل في زحام المباريات والمنافسة.. اضطر غير باغ للانسحاب من دوري أبطال آسيا.. حاصرته المشاكل المالية كما تحاصر الجيوش العاتية القرى الصغيرة المغلوب على أمرها..
تدخل "فيفا" بجبروته وقوته ونفوذه وقرر خصم نقاط ثلاث من رصيده؛ عقاباً على حادثة تعود لسنوات مضت وتناساها المتذكرون.. تلقى طعنة مسمومة من الهلال الأسبوع الماضي.. كان يحلم حلماً مشروعاً بالدوري، لكنه خسر وانتهى الأمر.. حرمته لجنة الانضباط من مهاجمه الدولي فهد المولد.. قالوا للمولد اجلس في جدة ولا ترتدي القميص المقلم بالأصفر والأسود في نهائي كأس ولي العهد..
وصل إلى الرياض بروح شبه محبطة.. دخل المباراة فوجد جمهوره يناصف المستضيف الملعب.. هذا الاتحاد.. كل شيء صعب ومعقد ومربك.. كل شيء يبدو مستحيلاً..
انطلق اللقاء.. كان النصر أقرب للنصر.. تمر الربع الساعة الأولى.. المصري محمود كهربا على الموعد.. ترتد الكرة من صدر الحارس عبدالله العنزي.. يعيدها كهربا للشباك.. هذا كل شيء.. تمر المباراة مثل غيرها.. يطلق الإنجليزي صافرته.. يفرح الاتحاديون بلقب جديد يزين عنق ذاك العميد التسعيني، الذي ارتبط بجدة وشواطئها وتاريخها ومساءاتها.. انتصر باعشن وانتصر عمر مسعود وانتصر الأنصاري وزملاؤه..
عاد الاتحاد بطلاً متوجاً وعميداً على منصة الذهب..
هل تنتهي القصة عند هذا الحد؟! أساساً هل تصلح بطولة الاتحاد وفوزه أن تكون قصة؟!
القصة والقضية هي أن تغيب أيها العميد عن المراكز الأولى.. لقد عدت.. عدت.. وهنا يبدو الخبر عادياً وطبيعياً.. لكنه تأخر قليلاً.. فقط!!