> مقالات

فواز الشريف
معركة الخبز في ملاهي الجياع
2014-06-03



قيل لنا منذ زمن بعيد.. بعيد جدا " كرة القدم هي لعبة الفقراء " ووصفها البعض بـ " شراكة الخبز والماء .. والهواء " .. وقيل لنا إنها اللعبة الوحيدة التي تتدحرج في أصقاع المعمورة بلا مقابل، بلا ضرائب، بلا رسوم .. إنها اللعبة التي يقف الجميع أمامها على حد سواء .. إنها مدينة ملاهي الجياع والمنفذ الوحيد إلى قلوبهم .. والحب الأشهر الذي ينقلهم من ألم الواقع إلى فسحة الآمال والأمنيات، وكان هذا قد قيل لنا منذ زمن بعيد.

مونديال البرازيل غير مفاهيمي وبكاء الجوعى هذب نظرتي، خاصة والكاميرا لم تدر بعد خلف " الجلد المنفوخ " بل إن وكالات أنباء العالم تنقل دون قصد منها صرخة الفقر وتداعياته قبل انطلاقة البطولة فكأس العالم ممتلئ بذخاً ومالاً وترفاً والكاتب المقتدر وحده يستطيع قراءة المشهد من كافة جوانبه حيث شكل هذا الحدث بالنسبة لي مفهوماً جديدا لمعرفة الحقيقة كاملة ونقلها لأصحاب الرؤى، فكل ما قيل عن هذه المجنونة "كرة القدم " قد أصبح ضرباً من ضروب المفردات الفلسفية في زمن يدونه التاريخ على طريقة " القرون الوسطى " والصور الأسطورية لمشهد قد يكون مر من هنا " لما قبل الميلاد " أو الحكايات الخيالية التي استلهمها جابراييل جارسيا ماركيز من شفاه جدته أثناء "الحب في زمن الكوليرا" .

كرة القدم بكل صراحة .. وقسوة .. وحقيقة .. هي لعبة الأغنياء .. ومتعة السادة .. وفرجة الزعماء.. كرة القدم حاليا هي " وول استريت " الدنيا .. هي سوق مال العالم .. هي الصناديق السيادية .. هي التصويب على طريقة غير اعتيادية هي واجهة المدن السياحية .. كرة القدم ليست الصورة التي نعرفها بحدود الملعب المكتظ بالناس وهدير المدرجات والتحركات .. كرة القدم تسلية لأبناء الذوات .. ماركة على طريقة ملابسهم تحت بند حماية العلامة التجارية .. كرة القدم الكائن الذي وجد ضعيفاً هزيلا مبهجا أصبح الآن سيد الكازينوهات والحاكم في صالة المقامرات و"كينج كونج " هوليوود الذي تشاهده بمقابل .. وتدفع عرق جبينك من أجل لقطة عابرة أو لعبة ساحرة .. كرة القدم لم تعد ابنة الجياع ولا الفقراء ولا الأتباع .. هي أغلى راقصة في الدنيا .. وأغنى عارضة أزياء في مسرحنا وأينما تجد فرحتها وفرقتها تجد المال (الفلوس، الريالات، الدراهم، الدنانير، الجنيهات، الدولارات، اليوروهات) سمها ما شئت.

على أرض الواقع في البرازيل رواية الجياع .. والجياع يقذفون ككرة القدم والحكاية تأتي ملهمة على لسان راويها .. لكنها لم تعد هي التي نعرفها، إنها تسهر على الطاولات العريضة وتقفز بين الأوراق النقدية ما كأنها يوماً ولدت ضعيفة هزيلة.