> مقالات

فهد عافت
كلّ مُثقّفٍ وسيم!
فهد عافت |
2019-02-23



كل ما تنظر إليه بغبطة ورهبة، هو بالنسبة إليك "جميل"!. الناس، المكان، المكانة، القصيدة، اللوحة، الرواية، المنحوتة، العمل المسرحي، فيلم السينما، والأغنية!.
ـ والإنسان جميل بقدر ما يرى من جمال!.
ـ ذلك أنّ من يرى في الوضاعة والدّنوِّ رِفْعةً، ويرى في الرداءة حُسْنًا، إنما هو وضيعٌ وقبيح من الدّاخِل!. ومن يرى في العادي والمكرور استثناءً إنما هو عادي ومكرور من الدّاخِل!. ومن ينبهر ممّا لا إبهار فيه إنما هو أبلَه!.
ـ تبدو الكلمات فظّة، وثقيلة على نحو يصعب الإفلات منه، كأنه قدَر!. لكن، ومن حسن الحظ أنها ليست بهذه الحتميّة الأبديّة!. إذ من الممكن للإنسان أن يُغيّر من نفسه، بل وأن يغيّر نفسه، وأن يصير أكثر جمالًا، وأقلّ قبحًا، و.. من الداخِل!.
ـ التغيّر من الدّاخِل صعب، لكنه ممكن، غير أنه يتطلّب أدوات ومهارات غير تلك التي يتطلبها التغيّر من الخارج!. غيرها هنا تكاد تعني نقيضها!.
ـ التغيّر من الخارج يكفيه قليل من المال والنفوذ ممزوج بقليل من الزيف والكذب والنفاق والخديعة!.
ـ التغيّر من الداخل، يحتاج إلى ركل كل ما سبق، يحتاج إلى مواجهة وإصرار وعمل متواصل عظيم الصبر شديد الحماس!.
ـ لذلك يجب على الإنسان أن يتثقّف. الثقافة ليست مسألة ثانويّة، ومن المعيب أن يخجل الإنسان من رغبته بها ودخوله فيها، ومن الخزي أن يستهين بها أو يقبل السخرية منها، تلك السخرية التي تُصرّ عليها السينما العربية،.. أفلام عادل إمام ويوسف معاطي تحديدًا!.
ـ رجعنا قبل هذه المرّة إلى جذر كلمة ثقافة، ولقينا أنها آتية من تثقيف الرمح، أي تهذيبه وتشذيبه، وأظن أنه معنىً يجب أن يُستعاد، وأن نتجدد في تأمّله.
ـ على هذا النحو يُمكن للثقافة أن تبدو كفعل نَحْتٍ أكثر من كونها فعل إضافة!. نَحْت بمعنى إزالة وتخفّف، فأنت حين تُثقِّف الرمح، فإنك تُزيل منه أجزاءً، وقد تكتفي بما أزلت إنْ أتقنت النحت، كما أنه لا يضر، وقد يكون مفيدًا، فيما لو أضفت إليه جزءًا ليس منه، إضافةً مُحكمةً، ليصبح أكثر فاعلية!.
ـ يمكن لأي منّا أن يقيس مدى تطوّره وتقدّمه الجمالي والثقافي، والإنساني عمومًا، بمراجعة ما أزال وما أضاف، وبتتبّع درجة وأثَر وفاعلية هذه الإزالات والإضافات على نفسه وفي نفسه!. كأن يقول: كنتُ قبل سنة أنظر لهذا الأمر على هذا النحو، واليوم أنظر إليه بصورة أُخرى، فما الذي أُزيل وتم سحبه وما الذي أُضيف وتمّ تمكينه؟!.
ـ بإمكاننا تجريب هذا الأمر حتى كلُعْبة مُسليّة، ولسوف نقدر على فهم أنفسنا أكثر، ومحبتها أكثر، ودفعها إلى الأمام أكثر!.
ـ وبما أن الجميل كامن فيما يُثير لدينا غِبْطةً به ورهبة منه!، فإن مرآة كل واحد منّا، مرآته الحقيقية، مرآته من الداخل، هي فيما يُبهجه وما يُخيفه!. وهو كلّما "ثقّف" رماح مباهجه ومخاوفه، صار أكثر قوّةً، وأكثر "عِزّةً"، وبالتالي أكثر وسامةً وجمالًا!. وللبدر بن عبدالمحسن: "ما سوى العِزّة وَسامة"!.