> مقالات

أحمد الحامد⁩
الجهاز حسن
2019-05-07



في رمضان أطفالاً كنا نجتمع نحن أبناء الحارة على السحور، كل يوم على واحد منا، كان واضحاً أن سحورنا هو بقايا من فطور عند كل الأصدقاء بما فيهم السحور الذي نقدمه أنا وإخوتي، معكرونة بها حبات محترقة من أثر تسخينها بطريقة سيئة، "رز" اختلطت به أنواع مختلفة من المرق الذي كان على مائدة الفطور.
إلا إذا كان دور السحور في بيت الأشقاء محمد وناصر، كان السحور معداً خصيصاً لنا وكان منوعاً لذيذاً وبه طعام لا عهد لنا به، كان والدهم يشرف على أنواع الطعام المقدمة لكنه لم يكن يجلس معنا، كان والدهم مهتمًّا بكل شؤون أبنائه حتى في المدرسة، وتفاصيل أخرى مثل نظافة ثيابهم ولبسهم الدائم للأحذية في مباريات الكرة التي كنا نلعبها ونحن حفاة، وصل الأمر بنا من شدة اهتمامهم بالسحور أن أبناء الحارة تآمروا أكثر من مرة في إلغاء دور أحدهم لأسباب واهية، ليقع الدور على محمد وناصر، لا أشك بأن والدهم كان قد كشف هذا التآمر الذي تعامل معه بكل ود وابتسامات عريضة، في الحقيقة كانت المسألة أكثر من طعام لذيذ بقدر ما كنا نحصل على تعامل vip، ولأن محمد وناصر منذ ذلك الوقت كان لديهم "شغالتان" إحداهما كان اسمها "ميري"، حفظت اسمها لأنها كانت أكثر نشاطاً وتلبي رغبات المتسحرين بكل همة ونشاط، كانت تلك السهرات الرمضانية تمتلئ بأحاديث وقصص الأطفال، كلها ذهبت مع النسيان إلا قصة الجهاز حسن التي بقيت إلى يومنا هذا نذكّر بعضنا بها كلما رضيت الأيام بأن يجتمع واحد منا بأصدقاء الطفولة الذين كانوا شهوداً على انطلاق أسطورة الجهاز حسن، التي كنت أحد المحظوظين بالاستماع لها لأول مرة، بطل القصة هو مبارك الذي كان أخوه الكبير يدرس في أمريكا وأحضر معه كما قال مبارك جهازاً اسمه "حسن"، وحسن هذا جهاز صغير مصنوع في أمريكا، ينفذ لك كل خدماتك الشخصية التي تحتاجها.. حسن احضر لي ماء، حسن اكتب لي الواجب، حسن شغّل التلفزيون، وحسن جهاز تستطيع أن تضعه في جيبك، حسن ما هي الإجابات الصحيحة في الاختبار؟ حسن في أي زاوية أسدد ضربة الجزاء؟ حسن اذهب إلى البقالة واحضر بعض الحلويات، حسن أبي فلوس، زُرعت حكاية الجهاز حسن في أذهان أبناء الحارة عدة سنوات، تجاوزنا أن مبارك كان يكذب علينا كذبة قفزت فوق كل ما كنا نقوله من كذبات طفولية إلى أمنية، تمنى الجميع الحصول عليها اسمها الجهاز حسن، حتى إذا ما نجح واحد منا بعلامات ممتازة في المدرسة كنا نقول بأنه أخذ الجهاز حسن معه في الاختبارات، انتشرت حكايات الجهاز حسن التي تم تأليفها في الحارة، كل حسب خياله واحتياجه، التقيت قبل سنة صدفة بأحد أصدقاء الطفولة الذي بادرني بالسؤال: من يحضّر لك أسئلة برامجك؟، قلت له: الجهاز حسن، ضحكنا حتى ابتلت أعيننا بالدموع، لم نكن نعلم إن كانت دموع فرح بلقائنا أم بكاءً على أيام الطفولة البريئة.