> مقالات

صالح الخليف
اتركوا الكتابة لأهلها
2019-07-25



بدواعي عملي ومهنتي ومهمتي لسنوات في الصحافة، اضطررت لقراءة مقالات كثيرة، متابعة أحيانًا واستمتاعًا أحيانًا أخرى ورقابة أحيانًا ثالثة.. هذه القراءات جعلتني أملك الحد الأدنى من الفرز والتفريق والتمييز بين مرابع الكتاب وتصانيفهم.. صرت على ما أظن أعرف أو هكذا يبدو لي الكاتب الذي ينهل من بحر وذاك الذي ينحت في الصخر كما كان يقال عن جرير والفرزدق..
هناك من يملك مخزونًا ضخمًا من الكلمات والأفكار، لدرجه أنه يطرح في المقال الواحد رؤى متعددة دون الإخلال بالتوجه العام لما يريد الوصول إليه.. هناك من تشق عليه الكتابة وكأنها نوع من العذاب كما كان يقول بلزاك عبقري الرواية الفرنسية.. ليس المجال هنا متسعًا لأعدد كتابي المفضلين.. سأتناول فقط الذين أتمنى أن أقول لهم توقفوا واتركوا هذه المهمة الإبداعية لأهلها وأصحابها واذهبوا بعيدًا وابحثوا لكم عن فراغ آخر تفرغون فيه فراغكم..
سأحكي فقط وأشير إلى نوع يؤذيني من الكتبة الذين ابتليت بهم الصنعة، ولا بد أن يكون أول من يذكر ذاك الذي يحرص على تقديم الاقتراحات، ثم لا يخجل أن يقول بعد سنة من صدور قرار سيادي أنه اقترح هذا من قبل، فتتطبع مقالاته بصبغة الإرشاد وتحولت كتاباته إلى لوحة قد تقع عيناك عليها في المستوصف القريب من بيتك..
وهناك نوع ثان من الكتاب الصحفيين الذين يبدؤون أو يختتمون مقالاتهم بعبارات ثابتة، فيعتقدون أن هذه "اللزمة" تمنحهم مزيدًا من الخصوصية والتميز والانفراد عن كل الكتاب الآخرين.. الذي يبصم على مقاله في البداية أو النهاية بجملة محددة، يذكرني بشاعر لا يعرف أن يكتب البيت الأخير إلا بقوله وختامها..
ليس في علم المقال وليس في فن المقال شيء يفرض ويستوجب أن تكتب كلماتك التي تظنها ليست كالكلمات، ثم تنشغل بها وكأنها رأس غليص.. انطباعي عن هذا النوع من الكتاب أنه لا يصدق أن الفرصة جاءته على طبق من ذهب وفتحت أمامه الأبواب وشرعت في وجهه النوافذ، فيتوهم بضرورة توقيعه على مقالته بعبارات تتردد في كل كتاباته.. يريد القول للناس بطريقة غير مباشرة أنني كاتب صحفي، والدليل هذه البصمة المتفردة التي ليس من حق أحد أن يتجرأ ويستعيرها أو يأخذها أو يقلدها..
طبعًا ليس من حقي توجيه النصح للكتاب كيف يكتبون وماذا يقولون.. لكن أبسط حقوقي كقارئ أن أقول لمن يهدر وقته وطاقته بحشد الاقتراحات، ومن يتعاطى مع سبق الإصرار والترصد مع جملة لن ينام ليلته هانئًا مطمنئًا إذا لم تلتصق بمقاله.. يكفي.. يكفي.. و"ترانا ملينا" على طريقة داود الشريان..
هناك كتاب آخرون في هذه القائمة سنوجه لهم التحايا بقدر ما ترك لنا الزمان والمكان..