> مقالات

فهد عافت
الشعر: وفاء اللغة وجحودها!
2019-08-19



ـ يذهب جان جاك روسو، من غير أن يُعلن وثوقه التام بما يذهب إليه، إلى أنّ اللغة، تكوّنَتْ أوّل ما تكوّنَتْ، بسبب الأمّهات!.
ـ الطبيعة الأُسَريّة للإنسان هي ما صيَّرَتْ اللغة ضروريّة: "اللغات وُلِدَتْ من اختلاط الآباء والأمّهات والأولاد اختلاطًا أهليًّا"!.
ـ وعليه، فإن اللغات تعدّدتْ لأنها تفرّقَتْ، وهي تفرّقتْ لأنها تفرّعَتْ!.
ـ يبتكر خيال جاك روسو جوابًا بسيطًا للسؤال الصعب: كيف ولماذا حدث هذا؟! حدث هذا لأنه وما إنْ يكبر الولد، ما إن يشبّ، حتى تكون الأم قد قالت معظم أو كل ما لديها، بينما يحتاج الولد مُضطّرًا "إلى إيضاح جميع حاجيّاته، ومن ثَمّ وجود أمور كثيرة يقولها الولد لأمّه أكثر من أن تقولها أمّه له"!.
ـ على هذا النحو، يمكن لنا تخيّل فائدة الشعر يا أحبّة، فبما أنّه أكثر أفعال الكلام والكتابة جرأة في الانزياح، فهو اللغة في أكثر حالاتها تمدّدًا وتكاثرًا وثراءً!.
ـ الشعر فعل انزياحات دائمة!. بغير ذلك لا يمكنه أن يحافظ على حيويّته وخصوبته!. إنه الكلام "الابن" وقد اضطّرّ إلى إيضاح حاجاته إلى الكلام "الأم"!.
ـ هنا تكمن حلاوة فن الشعر ومرارته يا أحبّة!.
ـ حلاوته في أنه أكثر أشكال فن اللغة صِلَة رِحِم وتواصلاً، بل خفض جناح لما سبقه من كلمات!.
ـ حلاوته،.. لأنه بالشعر يتضح أكثر من أي شكل آخر لاستخدامات اللغة، انتماء الكلام "الجديد/ الابن" للكلام "القديم/الأم"!.
ـ ويتجلّى خفض الجناح بتلك الطاقة التي يُشعر بها هذا الابن ضرورة شرح حاجاته الجديدة لأمّه، هو بذلك يُشعرها بأمرين على الأقل: رغبته في نيل رضاها واستمراريّة حاجته إلى مساعدتها!.
ـ هذا عن الحلاوة، فماذا عن المرارة؟!.
ـ المرارة يا أحبة أنّه لا سبيل للشعر، إلا أن يبدو أكثر أشكال الكلام والكتابة جحودًا ونكرانًا، إذا ما أراد الوصل والوفاء بحقوق صِلَة الرَّحِم تجاه كل كلام سابق ومُسَبّب لوجوده!.
ـ هذا الشكل الذي يبدو من الخارج جحودًا ونُكرانًا من الشعر لما سبقه من كلام، هو ما يتناوله عادةً النقد "الصحفي" الفارغ بطهبلة رفض صاخبة الدّويّ، مُبغّضًا الناس في أجمل نماذجه وأعلاها شأنًا، مُسفّهًا نبوغ المواهب المتفرّدة، داعيًا للتصفيق والتحيّة والإعجاب إلى أقلّ الشعراء موهبةً وجسارةً!.
ـ ذلك أن معظم محرّري الصفحات الثقافية، ليسوا إلا موظّفين، معظمهم ربّما تم تحويلهم إلى هذه الأقسام الثقافية أصلًا لاكتفاء بقيّة الأقسام الأُخرى بما لديها من محررين تلك الساعة!. إنهم أعجز من أن يتعمّقوا، ومداهم أقصر من الوصول إلى حلاوة الشعر!.
ـ أستثني؟! حسنًا، أستثني وأكتب: إلا ما ندر!.