> مقالات

فهد عافت
الكراهية!
2019-08-25



- مَرّ بي، قال:
عليك أنْ تغسل قلبك أكثر حتى من خمس مرّات في اليوم. وفي كل مرّة تتأكد من أنّ الكراهية كانت في حوض الغسيل!.
-ضغَط على كلمة الكراهية بقوّة، وابتسم عندما نجح في تشبيه القلب بحوض الغسيل، وكأنه الوصف باغته لحظة النطق دون تهيئة مسبقة، وأكمل:
- كل ما عدا الكراهية يمكن تأجيل غسله من القلب يومًا أو يومين، كثير من الأمور يمكن تركها لمدّة أطول، أمّا الكراهية فلا بد من الانتباه إلى ضرورة طردها من القلب بأسرع ما يمكن، طردها بل والتأكد من رميها بعيدًا عن البيت، ذلك أنّ الخطر لا يمكن زواله فيما لو بقيت تحكّ جلدها بخشب الباب أو ظلّت تحوم حول البيت!.
-كان وجهه يزيد انشراحًا، وتلمع في عينيه طفولة، كأنّ نورانيّةً من روحه تفيض على جسده كلّما لقي نفسه وقد اقتنص مَجَازًا حلوًا أو استعارةً رائقة!. وأكمل:
-ربما كان هناك ما هو أثقل من الكراهية على القلب، أثقل وأكثر غمًّا، بل ربّما كان هناك من الأمور السيئة ما هو أولى بالحذر منه، ومن الأمور الطيبة ما هو أجدر بالرعاية، لكن كل ذلك يمكن تأجيله، أمّا الكراهية فلا!.
-الكراهية يا ولدي (قال يا ولدي بأبوّة دافئة حنونة دون أن يكبر لحظة واحدة، بل وحتى دون أن يتوقف عن انجذابه إلى طفولته لحظة واحدة أيضًا!):
- أشدّ وأقوى أنصار الكراهية يا ولدي، وأمضى أسلحتها: الوقت!.
-تبدأ الكراهية هَشّةً، وقد تبدأ مُسليّةً في بعض الأحيان!. خفيفةً تبدأ، ويمكن التخلّص منها بسهولة!. ولعلّ في هذا اليقين الدّاخلي بسهولتها ما يجعل الإنسان أقل حذرًا، ويُوهِمه دون أن يفكِّر بالأمر بعدم حاجته للتفكير في الأمر!.
- (ابتسم بكُلفةٍ ليست بالغة، لكنها كُلفة على أي حال، لأنه لم يكن متأكدًا ما إذا كانت جملته الأخيرة براعةً لغويةً أم صياغة خاطئة!). لكنه أكمل:
- كلّما بقيت الكراهية ساعةً في القلب، كسبت حجّةً لبقائها ساعة أخرى!. فإنْ مرّ يوم طالبَتْ بما صارت تعتبره حقّها في البقاء يومًا آخَر!. ودافعتْ عن هذا الحق بما يلزم من قوّة ومن نعومة!.
- ترمي بالمسبّبات والتبريرات، وأعذار عدم قبول الأعذار، وبكل ما لديها من أسلحة دفعة واحدة، تُقاوِم طردها بكل ما أُوتيتْ من عزم، وتتحرّك بنشاط منتظم ومتخبّط حسب ما ينفعها!. بغيظ متحمّس تفعل ذلك بدءًا من أول ساعة إلى أسبوع أو أسبوعين وربما شهرًا كاملًا!.
- إنْ هي نجحت في البقاء شهرًا، لا تعود بحاجة إلى مناصرة، يكفيها وجودها!. عندها تلجأ إلى الحيلة القاضية: السكون دون حراك حيث هي!. السكون الذي يجعلك تنساها ولا تفكّر بأمرها، إلى الحد الذي تظن معه أنك تخلّصت منها، أو أنها لم تُوجد أصلًا!.
- بعد سنة، بعد خمس سنوات، تظهر لك، لكنها أبدًا لن تكون ضئيلةً ولا كليلة، (راق له السجع!، فأكمل): ولا عليلة ولا هزيلة!، (رأى أنّ زيادة السجع مُذهبةٌ للوقار!، فَحَادَ): ولا واهنة!. لقد اكتسبت قوّتها، وسبب وجودها!، بالبقاء في قلبك كل هذا الزمن!.
- أضاف: فكّر في أمر الناس والمجتمعات المتناحرة يا ولدي، ستجد أنهم لم يعودوا بحاجة للبحث في أسباب كراهيتهم الأولى!. ما أنْ تَوالت الأيام حتى أصبح تواليها السبب في بقائها إلى ما لم يعد أحد منهم يدري حقًا نهاية الحكاية، وهل تقضي عليه أم يقضي عليها في نهاية المطاف!.