> مقالات

أحمد الحامد⁩
قراءة تجربة وتعليق
2020-01-24



أعتقد أن أفضل طريقة لمعرفة مستوى الفكرة هو تنفيذها بأقل تكلفة في البداية، فإما تكون بداياتها ناجحة فيستمر بها الإنسان، أو يتكشف له ضعفها أو ضعفه هو فيتركها ويكسب وقته وجهده.
أحيانًا يعتقد المرء بأنه قادر على فعل شيء ما، وما إن يبدأ بالتنفيذ حتى يكتشف صعوبة ما يقوم به وأن ما اعتقده أنه قادر عليه ما هو إلا خارج عن قدراته أو ميوله، اتفقت مع أحد الأصدقاء على تنفيذ فكرة في مجال غير مجالنا الذي اعتدنا العمل فيه، ما إن بدأنا بتنفيذها حتى غرقنا بالتفاصيل الصعبة التي كشفت لنا عدم صلاحيتنا لمثل هذا المشروع، كانت الفكرة براقة والخيال سهَل الطريق، جلسنا معاً وقلنا لو كنا مديرين في هذا المشروع وكان لدينا موظف على شاكلتنا فما هو التقييم الذي نعطيه له؟ قررنا ألا نعطيه تقييماً ولا أهدافاً سنوية يتوجب تنفيذها، بل نقوم بفصله مباشرة، وهكذا فصلنا أنفسنا عن العمل وتركنا المشروع بفكرته التي عاشت في عقولنا أكثر من سنة كاملة، مع تخيلنا على قدرة تنفيذها بكل إبداع وتميز، جاء القرار متأخراً وبعد شهور من المكابرة فخسرنا أموالنا وكسبنا الخبرة وأنفسنا أيضاً، لا بد أن أقول بأننا كسبنا خبرة التجربة فهذا أفضل من البكاء على ما لن يعود، وأفضل من البقاء في شعور الندم على ما ارتكبناه، على الأقل جاء الضرر علينا نحن الاثنين فقط، ولا شك هناك من استفاد من جهلنا، اليوم كلما ذكر لي زميل فكرة خارج مجاله أحاول أن أنبهه بأنه سيكون مثل سمكة قررت العيش في الصحراء، فإن ذكر بأنه قادر على نصب خيمته وبدأ الحياة الجديدة وكان مصراً على ذلك أقول له أن يبدأ بشكل مصغر جداً حتى يكتشف منذ البداية وبأقل الخسائر حقيقة فكرته وحقيقة قدرته ومدى صبره، أحياناً يعجب أحدنا بشيء ما لأنه يراه من بعيد وما إن يقترب منه حتى يرى ما كان لا يتوقعه، حتى تلك الصور الجميلة التي تظهر لنا من بعيد مناظر الغابات والجبال الخضراء لا تظهر لنا حقيقتها سوى أنها خضراء، لكن الوصول إلى قلبها قد يكشف لك أنها مليئة بالحشرات التي تفسد نومك، وأن أرضها طينية ويصعب المشي عليها.
عقل الإنسان لا يوجهه دائماً نحو ما يناسبه، يخدعه أحياناً ويصور له الأمور سهلة ومشروعة، وهي غير كذلك، وإلا لأصبح الجميع أصحاب مشاريع طالما تنفيذ الأفكار بهذه السهولة، حتى الأفكار الجيدة أحياناً لا يصلح تنفيذها بسبب انشغال صاحب الفكرة والابتعاد عنها، الأفكار الجيدة مثل الأبناء يتوجب رعايتهم والاهتمام بهم وتربيتهم على أحسن وجه ممكن.