> مقالات

فهد عافت
مراجعة!
2020-07-06



في حوار تلفزيوني، سُئِلتُ، قبل سنوات، عن رأيي في ما يشبه الظاهرة، ظاهرة بيع وشراء القصائد!. كان ردّي سريعًا، ومفاجئًا، حتى بالنسبة لي!. قلت: ديّوث ثقافي!. كانت كلمة قاسية، ووصفًا موحشًا، وقد شعرت بذلك بعد أن قلته لكنني أكملت الحديث على هذا الأساس!.
- خمّنت أن يكون لهذا الرأي دويّ، وأنه سيتم تناقله سلبًا وإيجابًا، إنكارًا وإعجابًا، وهو ما حدث بالفعل!. ليس لأنني مهم، لكن لأن الكلمة التي حَمَلَت الرأي صادمة!.
- أغضب هذا الرأي عددًا من الشعراء، منهم من ظن أنني أقصده دون سواه!. كما أن عددًا من الناس استغرب الحدّة، ورأى في الكلمة الواصفة صفاقة، وظنّي: الجميع كان على حقّ بشكل أو بآخر!. فمن حسب أنه مقصود فهو متورّط ببيع أو شراء!. والجمهور الذي رأى أن الكلمة صفيقة، محق أكثر، هي كذلك، وزاد طينتها بلّة أنها قيلت في برنامج رمضاني وقبل الفطور بدقائق تقريبًا!.
- لكنني، ويشهد الله، لم أقصد أحدًا بعينه وشخصه. وقد وضّحت ذلك في حوار تلفزيوني رمضاني آخر، بعد سنة أو سنتين من الحوار الأول، حين سُئلت عن نفس الرأي!. وقلت، وهذه هي الحقيقة، ما معناه: حين تم توجيه السؤال لي، شعرت وكأنّه اتّهام مبطّن!. وبسرعة، وانفعال، أحسست بوجوب طرد التهمة عن نفسي، وأدركت، في هزّة كهربائية انتقلت من اللاوعي إلى الوعي، أنني بحاجة لأكثر الأحكام قسوة!. فقلت ما قلت!. ذلك لأنني لو رحت أشرح أو أحكم بهدوء، وأراعي الحال والاحتمال، فكأنني أُلطِّف وأرقّق من أجواء التهمة، مما يمكن له تأكيدها!.
- كان حكمًا قاسيًا، وكانت كلمة فجّة، لكنها كانت مثل أشواك القنفذ الذي يراد بها ومنها ولها حماية القنفذ نفسه لا أذيّة الآخرين!.
- ونعم، كان يمكن اختيار كلمة ألطف، لكن كل هذه الظنون التي دارت في رأسي في أقل من ثانية، كانت أقوى وسيّرت الكلمة على لساني مثلما أرادت!. أن تصف الأمر على ذلك النحو كان أقوى دفاع يمكنه تبرئتك من التهمة، فمن يصف الحكاية بذلك الوصف، لا يمكنه أن يكون إلا بريئًا منها “هكذا ظننت”، وقد كان مثل هذا الإغراء قويًّا، وما زلت بيني وبين نفسي أقول إنه كان يستحق مثل ذلك الاندفاع!.
- لكنني، أساسًا، لا أحب الاندفاع!. وهذا أحد أهم أسباب ترددي واعتذاراتي المتكررة كلّما طُلِبتُ في حوار!.
- في الكتابة، يحدث أن أكون شديد الانفعال، لكن في المشافهة يحدث أن أكون سريع الانفعال!. والفرق بينهما كبير، فأن أكون شديد الانفعال في الكتابة، فإن هذا لا يعدّ، أو لا أعدّه شخصيًّا، عيبًا ولا فضيلةً بحد ذاته، لا حُسن ولا قُبح، لا خطأ ولا صح، ثم إنه في النهاية اختيار وقرار، فبما أنه يمكن لي في الكتابة مراجعة السطور والكلمات، وتحسس وقعها وأثرها مرّة ومرّتين وثلاث، فما يُنشر هو اختيار وقرار.
- ربما أستثني ذلك الذي يمكن كتابته في “تويتر” مثلًا، فإنه خليط من المشافهة والكتابة معًا، أو هو كذلك في كثير من الأحيان!. وأنا، وأعترف، لا أجيد المشافهة، وكثيرًا ما أوقعني أمرها في مطبّات وأسف!. والسبب سرعة الانفعال، بغض النظر عن شدّته، ولذلك أفرّق بين السرعة التي تأتي بها المشافهة وبين الشدّة التي يمكن للكتابة أن تأتي بها!.
- لو أن السؤال جاءني مكتوبًا، أو لو علمت به قبل أن يوجّه إليّ بوقت مناسب، أو لو عاد بي الزمن إلى الوراء، لاكتفيت بالقول: هي ظاهرة في كل الدنيا، ومن ألطف ما كُتب حولها، ما كتبه نجيب محفوظ حين رسم شخصية “جاد أبو العلا” في عمله الجميل “مرايا”!. ولتركت من يريد معرفة المزيد إلى نجيب محفوظ!.