مسعد.. ليس للأناقة ثمن

الرياض ـ سعد الفراج 2020.09.15 | 01:47 am

الإنسان ابن أهله مرةً واحدة.. وابن زمانه ألف مرة.. ستجد تجارب ونماذج إنسانية كثيرة تؤكد هذا.. ولن تجد دليلًا كرويًّا، يصادق على قول مثل هذا أكثر من عبقري فتان، عرفه السعوديون قبل أعوام، يدعى خالد مسعد..
ألبسوه لقب الأنيق، لتمضي الأعوام سريعةً، وترسِّخ مماثلة اللقب لصاحبه.. كان أنيقًا في الملعب، فلا يتحرك إلا مثل الطاووس المتواضع، متسلحًا بالثقة والرقي والاعتداد بالنفس.. حينما تتواضع الطواويس، تتلحَّف رداء الأناقة.. وهكذا كان ذاك الشاب الأسمر فوق العشب الأخضر.. كان أنيقًا بشهادة الاتحاد والهلال والنصر، والمنتخب الأرجنتيني والمنتخب الياباني، وكل مَن لعب كرة القدم، وكان خالد مسعد يقف ضده ضمن جوقة الخصوم.. خارج الملعب، كانت الأناقة بكامل تفاصيلها.. اترك أناقة الرداء والملبس والأزياءوالجلباب.. هذه كلها لا يعيش مسعد في جلبابها.. أناقة النفس، وأناقة المنطق، وأناقة الحياة البسيطة.. هذه أناقة مسعد خارج الملعب وداخل الروح.. كل مَن عاش في تلك الحقبة التي كان فيها خالد لاعبَ الأهلي الأول، أيقن وتأكد وبصم بالعشرة بأن الزمن لو جاء بهذا اللاعب هذه الأيام، لصار يوزن ثقله بالذهب، لكنه الزمن على أي حال.. يغادر مسعد الملاعب بحكم العمر، وحكم اللعبة التي لم تعرف بوفائها إلا لثلة تبسَّمت لهم الأيام.. يغادر بحكم الأجيال المتعاقبة التي تنتظر حظها ونصيبها.. يغادر بأحكام أخرى ربما يمتد شرحها وتفصيلها أكثر من اللازم.. ما يهم أنه غادر والسلام.. غادر مسعد المشهد الرياضي الصاخب بأناقة الهدوء، وأناقة الانزواء بعيدًا عن محاولة اجتذاب ضوء غادر هو أيضًا بحثًا عن راقصين جدد.. كان مسعد يرقص فعلًا وبطريقة أنيقة.. يا لهذا المسعد، كلما جئنا نتحسر على حالته، ونعاتب الزمن على مآلاته، نلمح في الخيال تمريرةً ساحرة، أو هدفًا إفعوانيًّا، أو لمسة تشبه الريح، مرَّت عليها آثار مسعد وتوقيعٌ لا يمكن تزويره.. كان شبيه الريح.. هذا هو يوتيوب بكل خزانته عندكم، فتِّشوا كما تحبون، ولن تجدوا لاعبًا أحبه الريح مثل مسعد.. يمضي الزمن، ويتركه مسعد دون أن يبكي على تقلباته، أو يتشبث ببقاياه.. ودَّع هذا الزمن، وراح في حال سبيله، يبحث عن لقمة عيش كريمة، تكفيه شر السؤال.. مضى مسعد، ومضى الزمن، فكانت لعبة الأيام المريرة.. يستنجد أصدقاءه، وزملاءه، وبعض مرافقيه بعد أن وصل حاله إلى مرحلة تشبه اليأس.. المرض، والكفاف، وضيق ذات اليد، هذه كلها لا رحمة فيها ولا أناقة.. فيها جراح تلامس صورة الموت، كما يعرفها أهلها الراسخون في الألم، الذين بالطبع تبدو كلمة الأناقة مفردةً غريبة عليهم، ويعدُّونها من زوائد الحياة التي لا يحتاج إليها الإنسان في معركة البقاء..
تعاطى خالد مسعد مع الأناقة وهو لا يعرفها، وتشكَّلت بينهما علاقة متينة، وحبٌّ من طرف واحد، ولا يهم مَن هو هذا الطرف.. كان خالد مسعد نجم نجوم اللعب على الأطراف.. كان يمشي إلى جانب خط التماس، وكأنه التماس بين الفن المولود من رحم الموهبة المتوزعة بالتساوي والعدالة بين الأفذاذ، والفن الذي يباع ويشترى.. هذا مسعد، يعيدنا مرة أخرى إلى الملعب لنقول عنه ما يمكن أن يقال بلا كلمات تتأنَّق.. هذا مسعد الذي يعاني من أناقة، أثقلت كاهله، وأثقلت أيدينا عن رسم صورة فيها ولو نصف الحقيقة عن أوضاعه المتردية.
مسعد أيها القادم من أناقة الفطرة الإنسانية وشموخها.. أيها المتأرجح بين زمنين.. أتيت في زمن آخر لم يسعفك حتى إن تغني مع صوت سيدة الطرب الأنيق “قل للزمان ارجع يا زمان”.. مع الأسف، ذاك ميعاد فات.. كما فات على الكثيرين أن تتخلَّد في ذاكرتهم..!!


Google News تابع آخر أخبار الرياضية على Google News