|
فهد عافت
الكنز والعباءة!
2020-12-20
- الآراء الفرديّة أقلّ حِدّة بكثير من الآراء الجماعيّة!، فإنْ كانت الآراء الجماعيّة في حالة “جمهرة”، انتصرت الأجساد على العقول!. لأنّ كثرة الأجساد تُرى، بينما لا تُرى كثرة العقول، بحكم أن العقل الواحد خفيّ، والخفيّ وإنْ تكاثر لا يُرى!. وما لا يُرى يفقد هيبته في حضور ما يُرى، بالذّات إنْ، هذا الأخير، تضخّم!.
- في “الجمهرة” حسّ بدائيّ، فيه ما يُشير إلى الحنين لإنسان الغابة الأول!، بل وفيه ما يقترب من تأكيد وجود هذا الإنسان البدائي فينا على الرغم من كل مظاهر التحضّر البادية، أو التي قد تبدو، علينا!.
- في الآراء “المتجمهرة”، يشعر الفرد بقوّة الجماعة، ويستسلم لها إلى حدّ كبير!. لا يقدر على صدّ الريح ولا على معاكسة التّيّار، يمشي معها، ويخدع نفسه مستلذًّا خديعة “التجمهر” له!.
- مناخ “التّجمهر” هذا، يمنحه شعورًا، يريد تصديقه، بأنّ الأصوات كلّها إنما هي لمؤازرته في رأيه وتأكيد صوابه!. يدري أنه هو الذي دخل في عاصفة الرأي الجماعي “المتجمهر” هذا، ولكنه يكذب على نفسه التي تريد منه أن يكذب عليها!، فيظنّ أنّ كل رأي سبقه إنما جاء لتحفيزه، وكل صوت لحقه إنما جاء لتأييده!.
- ليس أَجرف من تيّار الجمهرة شيء!.
- تطبيقات التواصل الاجتماعي، أرض خصبة لنموّ مثل هذه البدائيّة المُخزية والمُجحفة!. مُفارَقَة حقيقيّة: آخر ما وصل إليه التحضّر هو أنْ أعاد الإنسانيّة إلى صياح ولغط وضجيج وجَلَبَة إنسان الغاب، طويل النّاب!.
- صار من الصعب، بل صار يُحسب من الجنون والخبل، أن يكتب الفرد ما يشاء، وأن يبوح بما يختلج في صدره، وأن يتصرّف أو يعبّر عما يشعر ويحسّ ببساطة وانسياب ودون حذر!. “البُعبُع” الذي يُسمّى “الجميع” ينتظر منه أي زلّة، والتفرّد زلّة!، لينقضّ عليه بتصنيف تسخيف وبحقد “ترِنْد”!.
- تطبيقات التواصل لم تعد تسمح بغير الكذب!. صار الكذب هو الحقيقة الأكبر في كل هذه التطبيقات!. وأُعيدتْ، لكن على نطاق واسع جدًّا، حكاية العباءة وصاحبها!.
- تقول الحكاية: تدثّر رجل بالعباءة الوحيدة التي يملك، ونام تحت ظل شجرة. فمرّ به لِصّان، وأرادا سرقة العباءة. احتالا، فقال الأول لصاحبه: افتح الخريطة وانظر مكان الكنز بالضبط!. قال الآخر: إنه تحت هذه الشجرة!. قال الأول: يا غبيّ، لا ترفع صوتك فيسمعنا ويسرق الكنز بعد أن نبتعد!. قال الآخر: إنه يغطّ في نوم عميق. قال الأول: وكيف نتأكد من أنه لم يسمعنا ويعرف مكان الكنز؟! قال الآخر: نمتحنه، سوف أسحب عباءته منه، فإن استردّها فهو يقظان!. مدّ اللص يديه وسحب العباءة، فتركها الرجل لهما ولم يستردّها طمعًا في الكنز!.
- كثير ممّن يستميتون اليوم على زيادة عدد المتابعين، ولديهم الاستعداد التام لقول أي شيء والظهور بأي مظهر، في سبيل تلك الزيادة، أو الاحتفاظ بما لديهم من أرقام، لا يؤكدون شيئًا أكثر من أنّ ذلك الرجل صاحب العباءة الطامع في الكنز، موجود في داخلهم، بلا عباءة، يحفر تحت الشجرة إلى اليوم!.