|

أحمد الحامد⁩
الوظيفة x العمل الحر
2021-01-18
لتشارلز بوكوفسكي مقولةٌ، يفسِّر فيها مفهوم الحرية بالنسبة إليه، وقد يتفق معه بعض القرَّاء، أو يختلفون. يقول: “لن تحصل على حريتك إلا حين تستقل ماديًّا، وما عدا ذلك كلها فلسفةٌ وأفكارٌ خيالية”.
سابقًا كنت أتفق معه، بل وتبنَّيت هذا المفهوم قبل 15 عامًا، وقبل أن أقرأ ما كتبه بوكوفسكي، لكنني وأثناء محاولتي الاستقلال ماديًّا عبر البدايات التجارية الصغيرة والمحدودة، وجدت نفسي أسقط في وحل ما لا أعرف، ولم أخرج منه إلا بعد أن تكبَّدت ما تكبَّدته. في الحقيقة، بنيت فكرة الاستقلال ماديًّا على التخلص من الوظيفة، وهذا التفكير كان خاطئًا، لأن ما تبنَّيته، وإن كان صحيحًا، قد لا يكون صالحًا لي ولمَن هم مثلي، فالإنسان قوي بما يجيده على أرض الواقع، وليس بما يتخيَّل بأنه يجيده، بمعنى إذا افترضت أنني مذيعٌ جيد، فلا يعني هذا أنني سأكون ناجحًا إذا ما افتتحت إذاعةً خاصة. الخروج من الوظيفة، والاتجاه إلى العمل الحر، يجب ألَّا يكون نابعًا فقط من الرغبة في الابتعاد عن وثاق الوظيفة، بل وبدافع معرفي أيضًا بما ستقوم به، وبطريقة مدروسة.
بعض التجار مظلومون، أقول ذلك لأن الكثير منا لا ينصف مواهبهم، وكثيرًا ما يُوصفون بالمحظوظين فقط، دون أن يشار إلى موهبتهم، ومجهودهم الذي يبذلونه، وتقديمهم للحصول على ما يريدون ما لا يقدمه غيرهم. لا أدري إن كان هذا الظلم بدافع من الغيرة؟! أعرف تجارًا من أصدقائي، وأرى مواهبهم الكبيرة، وطريقة تفكيرهم التي لا يشبههم فيها أحد، كما أن لديهم من الشجاعة والصبر ما لا يوجد عند غيرهم. إنهم في موهبتهم التجارية يشبهون كل الموهوبين الآخرين، مثل الرسامين، ونجوم الكرة، والأدباء، والشعراء، وقد يستطيع الإنسان تعلُّم ما يجيدون “إن كانت” لديه القدرة على التعلم.
أعتقد أن الإنسان تقع عليه مسؤولية معرفة نفسه وإمكاناته بصورة واقعية، والوظيفة ليست قيدًا دائمًا، بل قد تكون المكان المناسب والناجح لبعضهم، وقد يحققون فيها إنجازًا كبيرًا لن يستطيعوا تحقيقه خارج وظيفتهم، وكأنهم وُلِدوا ليكونوا موظفين.
لو انتبهنا للعديد من الأسماء البارزة لوجدنا أنهم حققوا نجاحاتهم في وظائفهم، ولم يحققوها خارجها. أظن أنهم أخلصوا في عملهم، وعرفوا إمكاناتهم ونقاط قوتهم، وبنوا عليها، واستمروا دون انقطاع، وهذا ما جعلهم يحظون باستقرار مهني، وهناك مثلٌ قيِّم لمَن يأخذ به، وهو ما سأحاول فعله وأتمنى أن أنجح في تنفيذه، يقول “التدبير نصف التوفير”.
لست ضد العمل الخاص، لكنني ضده قبل أن يعرف الإنسان قدراته، فالتجربة دون دراية كافية وإمكانات مالية مريحة نتائجها دائمًا مؤلمة.