|

فهد عافت
القفزة!
2021-01-20
- لماذا يقفز بدر بن عبدالمحسن من مكانه منتشيًا كطفل، عندما يقع على جملة بديعة وصورة شعريّة جديدة ومبهرة؟!.
- سبق لبدر بن عبدالمحسن أن قال ذلك، ربما في أكثر من حوار تلفزيوني. أتذكر المرّة الأولى التي ذكر فيها ذلك، لأنني أنا من مرّرتُ المعلومة للمذيع!، حيث سبق لي أن سمعتها من البدر في جلسة خاصّة!. شعرتُ بأهميّة حضورها على نطاق أوسع، ومن غير البدر يمكنه جعلها مدويّة ويمنحها أحقيّة الحضور وأهميّة الالتفات؟!. ربما لو قيلت من غير بدر بن عبدالمحسن لقيل: “طبعًا، يحق له، ما هو مصدّق نفسه”!.
أظن أنه قالها أوّل مرّة في حوار، إذاعي أو تلفزيوني، في قطر!.
- السؤال الآن: لماذا يقفز المبدع انتشاءً وفرحًا، حال وقوعه على جديد مُبهر؟!. المسألة ليست إعجابًا بالنفس، وهي لو كانت كذلك فلا ضَيْر: قليل من الإعجاب بالنفس مهم ومفيد، ومُستَحقّ!، شرط أن يكون قليلًا وعابرًا، وفنيًّا، ولا يتخطّى صاحبه!. لكن كيف يُمكن لصانع العمل الفنّي أن يُفاجَأ بعمله؟!.
- أولًا: لأنّ الفنّان يعرف الخطأ قبل وقوعه فيه، لكنه لا يعرف الصّواب إلا لحظة وقوعه عليه!.
- والصّواب الفنّي درجات ومراتب، أدناها منزلة: كل ما تم الاتفاق عليه بحكم الذوق العام والرياضيّات!. مثل؟! حسنًا، مثل الوزن والقافية في الشعر!. الشاعر لا يكسر ثم يُصلح الخطأ إلى أن يتم الوزن!. الشاعر يعرف الوزن للدرجة التي يُمكن معها القول إنه لا يعرف الكسر أصلًا!. لذلك لا يُمكن للشاعر أن ينبهر لمجرّد أنه وَزَنَ وقَفّى!.
- لكن، وكما قلنا، الصّواب الفنّي درجات ومراتب!. وفي الشعر مثلًا، فإنّ أعلاها، الوقوع على صورة شعريّة جديدة فريدة مُبتكرة وفاتنة!. مثل هذا الأمر لا يحدث بتفكير وتدبير مُسبَق!. لو كان الأمر كذلك لما توقّف شاعر عن الكتابة يوميًّا!. ما الذي يمنعه من ذلك طالما أن “المقادير” جاهزة؟! يمنعه أنّ الشعر ليس “طبخة”!. وأن الفنّ ليس حسابات فقط، لو كان فقط حسابات، لأمكن للجامعات منح شهادات بهذا الخصوص!. لا، ولن، تقدر جامعة واحدة، على منح أحد شهادة بمسمّى: شاعر أو روائي!.
- هنا تأتي ثانيًا: التفكير لا يسبق الفعل الإبداعي الرّهيب!. التفكير يحوم حول الحِمى!. والحِمى هو كل ما هو مَحْمِي بفضل القياس والحسابات!. لكن لحظة الانقضاض على الفاتن المبهر البديع، لا تخضع لهذه الحسابات والتدابير المسبقة!. إنها لحظة فارقة، وومضة بارقة، تُفاجئ الصيّاد والطريدة والمكان والزمان، وكل شيء آخر!. فجأة يجد المبدع نفسه وقد وقع على ما هو أعلى وأجمل من مراده بكثير!.
- ليس بالضرورة أنْ يحدث ذلك بالترتيب. أعني: ليس بالضرورة أن يبدأ المبدع بالعمل ثم ينقضّ على ما فوق مُرادِه فجأة!. يحدث كثيرًا، أن ينتشي المبدع بالقبض على الصورة المبهرة منذ البدء، ثم يعمل بعد ذلك على تشكيل عمله بناءً عليها، وخدمةً لها!. الأكيد، أن ومضة القبض على الطريدة لم تكن خاضعة لحسابات قديمة أو تفكير سابق لحضورها نفسه!.
- لحظة!. يتوجّب التّوكيد هنا على أنّ الإبداع لا يسمح لصاحبه بأن يكون يكون التشكيل والبناء و”التهيئة”، أقل نبوغًا، بل كأنه إلهام، أو هو إلهام فعلًا!.
مات عبدالوهاب وهو يرى أنّ هذا أحد عيوب بليغ حمدي في التلحين!. كان يرى أن بليغ يفتقد التّريّث والتّأمّل في “تركيب” عمله: “عندما أسمع لبليغ خاطرًا جميلًا، أشعر أنّه ليس صاحب الفضل فيه وإنّما جاءه الخاطر من الغيب!، وعندما يريد بليغ وضع هذا الخاطر في عمل، ويجيء دوره كمبدع بتفكيره وعنائه وتأمّله، أشعر بالفرق بين الخاطر الذي جاءه من الغيب، والعمل الذي صاغه بنفسه!،.. ومضات من ألماس مركّبة على تركيبات من الصّفيح”!.
- نرجع للقفزة: المسألة تشبه صرخة “آرخميدس” الشهيرة: “وجدتها.. وجدتها”!. كان قبل لحظة الكشف هذه يفكّر ويتدبّر، وعلى مستوى آخر مُفارِق، كان قد جرّب بالتأكيد الغوص في حوض ماء وفي كل مرّة كان الماء “يطشطش” خارج الحوض!. لا علاقة سابقة تربط بين تفكيره الفيزيائي وبين استحمامه، وفجأة جاءت لحظة الربط!، كأنها إلهام!. وفجأة تشكّلت نظرية “الطّفو”!. رآها بعينيه تتشكّل أمامه، فخرج، من الدهشة والفرح، يصرخ عاريًا: “وجدتها.. وجدتها”!.