|


رومارينيو.. من حقول البرتقال.. إلى إعجاب زيدان

الرياض ـ عبدالرحمن عابد 02:18 | 2021.04.09
طفرة كروية أصيلة، تنبض بالسحر الرباني، يحمل ملامح خجولة لا تفارقها الابتسامة، تقابلها قسوة هائلة داخل الملعب، حيث يتسلح بغريزة المهاجم السفاح داخل الملعب، إذ تكمن قوته في الانطلاق المفاجئ وبعثرة المدافعين وإرعاب الحراس، وعند كل نكسة في مسيرته يتذكر المثل الشعبي الشهير في بلاده "الإرادة الجيدة تقرب المسافات".

ولد روماريو ريكاردو سيلفا في 12 ديسمبر 1990، لأسرة كادحة بالكاد كانت تجد قوت اليوم، بالاعتماد على الدخل الموسمي البسيط للوالد رونالدو، حيث كان يعمل مزارعاً وجامعاً في حقول البرتقال والقطن، ومع تزايد الضغوط وأعباء المعيشة، بعد إنجاب الطفل الرابع، اضطرت ربة المنزل دونا فيرا، لمشاركة زوجها في عمله البدني الشاق، لتوفير المال اللازم لتأمين أبسط مصاريف حياة المولود الجديد وإخوته الثلاثة دي برونو، ريناتا والآخر على اسم الأب.

بدأ رومارينيو يستكشف موهبته في مداعبة الكرة بعمر خمس سنوات مع شقيقه الأكبر في حقل ترابي بالقرب من منزل الأسرة، هناك في ضواحي بلدة فلسطين الريفية، الواقعة على بُعد 500 كم من صخب عاصمة الولاية ساو باولو، والتي تأسست في بداية عشرينيات القرن الماضي، على يد الإسباني فالنتيم ألفاريس، باسم المالك الأول للمنطقة ساو جواو دا باليستا، قبل أن تتغير إلى فلسطين الجديدة، ثم الاسم الحالي عام 1937.

يسكنها الآن نحو 14 ألف شخص، أغلبهم من المهاجرين العرب، الذين تعايشو وانخرطوا ا مع المجتمع على مدار عقود، إلى أن أصبحوا مواطنين وجزءًا من التنوع الثقافي الفريد من نوعه في ساو باولو، مأوى الجاليات العالمية والمهاجرين، وموطن أشهر المأكولات اللاتينية، منها أعجوبة لحم "البيكانيا" المشوي، ومعجنات "صبيحة" بالدجاج أو اللحم، والأغرب فاكهة الأناناس المشوي والاختراع الإيطالي - البرازيلي "الكانواليس" بالمكسرات وقطع الآيس كريم.

قبل أن يحترف رومارينيو كرة القدم أو حتى يلتحق بإحدى أكاديميات الشباب، دعاه رجل أعمال، للقيام برحلة إلى دبي مع فتيان آخرين، على اعتبار أنها رحلة مدرسية، لكن عملياً، كان الغرض منها عرض الجواهر البرازيلية الخام على الأندية الإماراتية، إلا أن النهاية لم تكن سعيدة، لفشلهم جميعاً في الاختبارات، وفي الأخير اكتفوا بجولات في المدينة وقضاء ما تبقى من الأسبوعين بالذهاب إلى الشواطئ وزيارة أطول أبراج العالم في دار الحي.

اكتفى باللعب في أندية قريبة من المنزل، بدأها بتمثيل مراهقين ريو برانكو لمدة عام، بعدها حط الرحال إلى ريو بريتو، وهناك واجه أصعب المواقف والعقبات، منها من أخبر به شبكة "ميو تيامو"، أنه تعرض للإذلال من قبل مدرب لم يذكر اسمه، قام بإخراجه من المران الجماعي، وألزمه بتدريب بدني شاق، وكان على وجبة إفطار خفيفة "البسكويت والزبادي والعصير"، والأسوأ من ذلك، تدهور مستواه في المدرسة مع وصوله الصف الخامس، حيث تحول إلى طالب بليد في الرياضيات والعلوم والجغرافيا، وغير ملتزم في الحضور، لدرجة الغياب في 8 حصص في اللغة البرتغالية وسبعة في الرياضيات، ومشاكل إضافية تسببت في فصله.

أخذت مسيرته منحنى آخر، بعد انتقاله إلى براغانتينو عام 2011، حيث قادته مستوياته الرائعة لخطف أنظار سانتوس وساو باولو وكورنثيانيز انتهت بذهابه إلى الأخير، بترشيح ونصيحة من وكيل الأعمال كارلوس ليتي، ليسطر التاريخ في غضون شهرين تحت قيادة مدرب البرازيل الحالي تيتي، تبعها بهدفه التاريخي في شباك بوكا جونيور في نهائي الليبرتادوريس بملعب لا بوموبونيرا، كما كان محظوظاً مع الجزيرة الإماراتي بهدفه الأشهر في ريال مدريد، حين راوغ فاران داخل منطقة الجزاء، وسدد بيمناه كرة رائعة أمام أنظار كريستيانو رونالدو، منحته إشادة زين الدين زيدان ضمن نصف نهائي مونديال الأندية 2017.

بعيداً عن حياته الكروية، يعيش رومارينيو البالغ 30 عاماً مع زوجته سينثيا موناليزا وطفلهما الصغير في فيلا خاصة بمجمع سييرا فيلاج السكني، ومن عاداته اليومية، الاستيقاظ على السباحة في مسبح الفيلا، بعدها يتناول وجبة الإفطار ويرتشف قهوته، ثم يقود "البي إم دبليو" 550 رصاصية اللون، إما لتدريبات الاتحاد أو بالتنزه على كورنيش جدة، حيث يجلس في مطعمه الإيطالي المفضل ريستورنت جابيانو، وأحياناً أخرى يتجه إلى السوشي في مطعم ياباني بالقرب من شارع صاري، وكأغلب مواطنيه لا يملّ من زيارة مطعم فوغو دي تشاو البرازيلي، ومؤخراً وقع في حب المعصوب، وأدخل كذلك شاورما الدجاج العربي في جدول مأكولاته المفضلة.

يتمتع روما بشخصية هادئة ومرحة، ودائما يمازح من يتكلم معه، بأسلوبه العفوي وابتسامته النقية، ويحب كذلك الاستماع للآخرين، مقابل ذلك هو شخص قليل الكلام، وصداقاته في جدة تنحصر على أبناء وطنه، إذ يتقابل دوماً مع مدربه كاريلي وأصدقائه البرازيليين جوناس الاتحاد ودي سوزا الأهلي وأنسيلمو الوحدة، في مكان بعيد عن الأعين وكاميرات المعجبين، وفيما يخص رأيه في اللاعبين السعوديين، فمن وجهة نظره فإن الأفضل بلا ترتيب، فهد المولد وياسر الشهراني وسالم الدوسري.

يشبهه المشجعون بالمهاجم الأسطوري البرازيلي روماريو أفضل لاعب في العالم 1994، وسبق أن وصف الإمارات بدولة الأمان، بعد رؤيته الرعب والظلم في الدوحة إثر احتجازه بمطار الدوحة 2017، وأغرب مواقفه تسببه بكسر ساق صديقه كاليكستو جراء مراوغته الشهيرة، فيما تسبب ذات مرة بإيقاف شقيقه دي برونو عن العمل في محطة البنزين، لتهافت المشجعين والحسناوات عليه بعد هدفه في البوكا، أما أطرف مواقفه عندما ينادي زملاءه الاتحاديين الذين يرفضون تمرير الكرة له أثناء التمرين: "شاكوش شاكوش".. بينما تبقى أمنيته الأخيرة إعادة النمور لمنصات الذهب قبل العودة إلى فلسطين.