|


ماريجا.. جلاد القياصرة وعاشق الحلويات

الرياض – عبدالرحمن عابد 06:37 | 2021.05.13
ينتابك الفزع حينما تراه يركض نحوك، فهو أشبه بدبابة بشرية تدكّ حصون دفاعات الخصم، إذ لديه طاقة عنفوانية تتجاوز المدافعين بسرعة البرق في خانة 9.5، ولكن ما يعيبه حالته المزاجية أمام المرمى إذ يتسرع أحياناً في لمسته الأخيرة، فيما يعوض إخفاقاته بمحاولات التسجيل المستمرة، دون أن يهتز نفسياً، مجسداً مقولة الكاتب الأميركي نابليون هيل "الصبر والمثابرة وبذل العرق مزيج لا يُهزَم للنجاح".

ولد موسى ماريجا، في 14 أبريل 1991، لأبوين هرباً من التوترات السياسية وضنك فقر المعيشة في جمهورية مالي الإفريقية، بحثا عن حياة مستقرة في ضواحي جنوب غرب باريس الفرنسية، تحديدا بلدة ليز أوليس، المصممة على شكل حرف (U) من قبل 3 مهندسين معماريين خلال سبعينات القرن الماضي، حيث تعتبر الآن ملاذا آمنا لمختلف الأعراق المهاجرة بعاصمة الضوء، بعد أن أن هزمت الشيخوخة كبار السن الذين ورثوا زراعة القمح والبطاطس عن أجدادهم، بينما باتت اليوم مركز جذب للمسافرين الراغبين باستكشاف عجائب طبيعة الريف الفرنسي، ومشاهدة البط والطيور في بحيرة نورث بارك، وسط عشرات الفنادق الرخيصة والمطلة على نهر رويلون، بعدما كانت مجرد بضعة مزارع لتربية الماشية.

بدأت قصة ماريجا، عندما وقعت أنظار مدربي نادي أوميني سبورت، عليه بعد مشاهدته على نفس الملعب الذي انطلق منه قائد مانشستر يونايتد المعتزل باتريس إيفرا ونجمه الحالي المعروف أنتوني مارسيال نحو عالم الملايين والشهرة. آنذاك كان المراهق الأسمر بعمر 14 عاما، قبل أن تضطر عائلته للانتقال إلى منطقة "كوليسيون" المعروفة بتجار السلاح والممنوعات، هناك التقى بالأب الروحي المدرب فؤاد مبروك، الذي منحه فرصة اللعب مع فريق مدينة إيفري، والتي وصفتها صحيفة فرانس فوتبول العريقة "المدينة التي احتوت موسى وغيرت حياته إلى الأبد".

تحول الشاب ماريجا في وقت قياسي، من لاعب بجسد نحيف، إلى مشروع مهاجم واعد مرعب، مع استمرار تأديته التدريبات البدنية القاسية، وهو ما تكلل بالنجاح بتوقيعه أول عقد احتراف في حياته بعمر 24 عاما مع فريق أميان الناشط آنذاك في الدوري الفرنسي الثالث، ورغم أن مسيرته انخفضت خلال الفترة التي قضاها مع الترجي التونسي مطلع موسم 2015، تبدلت أوضاعه سريعا إثر انتقاله إلى ماريتيمو البرتغالي، الذي منحه تأشيرة الحصول على النجومية، وهو ما ساعده على تحقيق حلمه الكبير، بالدفاع عن ألوان منتخب بلاده مالي التي استدعته أمام الجابون في مباراة ودية مارس 2015، تلتها قفزة كبرى بانتقاله إلى العملاق نادي بورتو مقابل 4 مليون يورو شتاء 2016.

شهدت مسيرة موسى ماريجا مع كتيبة التنين الكثير من التقلبات، أقبحها المعاملة السيئة التي وجدها من جمهور النادي في بعض الأوقات، على غرار المشهد العنصري الذي هز العالم قبيل أسابيع من إعلان منظمة الصحة العالمية عن فيروس كورونا كجائحة، إثر تعدي أنصار بورتو عليه بواسطة إطلاق أصوات القرود، أثناء احتفاله بهدفه في شباك جيماريش، ليغادر الملعب في مشهد صادم، وصفه الرئيس البرتغالي أنطونيو كوستا بالجريمة، كاعتذار ضمني للاعب الباريسي المولد -الأفريقي الأصل- بينما على النقيض من ذلك، تسابق نفس المشجعين في مدحه والتغني باسمه بعد هدفه في ثمن نهائي دوري أبطال أوروبا أمام يوفنتوس بقيادة كريستيانو رونالدو.

يرى محبي ماريجا البالغ 30 عاماً، بأن أفضل مباراة في رحلته الاحترافية، عندما تقمص دور البطل في إياب دور الستة عشر أمام روما في دوري الأبطال 2019، بصناعة هدف والتكفل بتسجيل آخر في ليلة العبور لدور ربع النهائي على طريقة الريمونتادا، فيما كانت مثل مكافأة السماء لإنسانيته وتواضعه، بعد أن حجز 31 تذكرة طيران لأطفال حي جلاسيس -مكان إقامة العائلة في إيفري-، شاملة إقامة في فندق 5 نجوم، فضلاً عن تواضعه ضمن مشهد توزيع الهدايا على الأطفال قبل عودتهم إلى أهاليهم. أما على الصعيد الدولي فيتذكر المصريون أنه كان رجل افتتاح أمم إفريقيا 2017، في حضور محمد صلاح ومحمد النني وتريزيجيه وحجازي وباقي الأسماء التي يراهن عليها الفراعنة.

يتفق أغلب أصدقائه ومن تعاملوا معه في مراهقته، أنه سطر ملحمة تدرّس للراغبين في تغيير حياتهم إلى الأفضل، إذ يحكي زميله هرفي لوبي أن زميلهما الآخر إرنست سيكا قال ذات مرة: "لن يتوقف عن تناول الطعام بدون نظام". وهو نفس ما أفصح عنه رفيقه إيمانويل بورجورد عن إدمانه وضع علب الحلوى في حقيبة الظهر أثناء السفر للمباريات، وأيضاً يروي صديقه في الحي بلال الحمزاوي موقفا مضحكاً بقوله: "سأله المدرب تانشوت عما تناوله في وجبة الإفطار. فأجاب ماريجا فورا "كباب وبيتزا" فرد المدرب تانشوت: وكيف حال البيتزا؟. وبدلاً من أن يكتفي المهاجم الأسمر بالصمت رد بسرعة "الكباب والبيتزا بالخضار". فانفجر الجميع في غرفة الملابس ضحكاً. بيد أن الأخير عرف كيف يطوع شهية معدته لصالح جسده القوي.

يتسم بالعفوية والخجل، يناهض الإعلام والصحافيين وقليلاً ما يتحدث معهم، ولا يتوقف عن الإحسان والتبرعات وفعل الخير من أجل المحتاجين، وما أثار ضحك زملائه في مواقف النادي حينما اشترى أول سيارة من طراز توينجو-رينو سوداء، حيث توقفت بجانب بورشيه ومرسيدس وأودي وبي إم دبليو. وفي سبيل إسعاد أسرته أشار مدربه السابق عزيز بنعدان إلى أنه اشترى منزلا واسعا لوالدته في إيفري ودعم والده حتى قبيل وفاته بجانب تعليم أخوته، فيما يعد مثله الأعلى تيري هنري وناديه المفضل موناكو، وبعد انضمامه إلى الهلال بعقد يمتد حتى 2024، يتحتم على ماريجا حرق السعرات الحرارية التي خزنها في أوروبا، أملا أن يعيد أزرق الرياض إلى قمة آسيا برفقة جوميز وجيوفينكو وكاريلو وباقي نجوم الزعيم.