|


أبو بكر فينسنت.. ابن تاجرة السمك.. الذي أبكى الفراعنة

الرياض ـ عبد الرحمن عابد 10:05 | 2021.06.20
أسد غير مروض، جسده قوي وسرعته رهيبة، ويملك من الصلابة ورباطة الجأش ما يكفي لتجاوز أعتى المدافعين، كواحد من المهاجمين القلائل الذين يمتلكون غريزة اصطياد الشباك برأسه وكلتا قدميه، إذ لديه قدرة غير عادية في ترويض الكرة بحب وتسجيلها هدفًا أثناء المواقف الصعبة أمام المرمى، مجسدًا المثل الإفريقي الشهير "زئير الأسد لا يكفي لقتل الفريسة".

وُلد أبو بكر فينسنت في 22 يناير 1992، لأبوين كاميرونيين مكافحين كانا يعيشان هناك في مدينة جاروا الساحلية، المعروفة بين المواطنين بعاصمة المنطقة الشمالية، حيث مناخ السافانا الاستوائية والممر الصخري العملاق كولا جورج، المؤدي إلى الوديان الخلابة المرتفعة بنحو 20 مترًا، بما في ذلك منطقة شقق الشياطين، وهي عبارة عن غرف نوم ومعيشة، وفي الأصل كهوف داخلية شكلتها الأمطار. بالإضافة إلى أنها ثالث أكثر المدن اكتظاظًا بالسكان، وتعد مركزًا رئيسًا للتجارة في البلاد، خاصة في حركة الاستيراد والتصدير مع نيجيريا، مرتكزة بذلك على صناعة وتصدير أجود أنواع القطن حول العالم.

على طريقة معظم الجواهر السمراء، اكتشفت موهبة الطفل أبو بكر في شوارع الحي، ومع لمعان اسمه على مستوى الأكاديميات ومسابقات المدارس، اضطر لمخالفة رغبة الأسرة، بالتمرد على الدراسة رافضًا الحصول على شهادة الدبلوم، ليشق طريقه في لعبته المفضلة عبر بوابة أكاديمية براسيرس دي كاميرون، وكان ذلك في عمر 12 عامًا، حيث كانت الأم أليس أبو بكر، تعول الأسرة المكونة من سبعة أطفال، بعملها كتاجرة وبائعة سمك، وحينما تعود الوالدة إلى المنزل تحضّر طبق ندوليه الشعبي المكون من يخنة مطبوخة بأوراق الفيرنونيا لاذعة المذاق والجوز مع لحم الماعز، بجانب أطباق أخرى ورثت نكهتها من الفرنسيين بعد الاستعمار.

بعد حصول أبو بكر على جائزة أفضل لاعب مراهق في بطولة توب كوب، التقطه وكيله ومن يصفه حتى الآن بالأب الروحي، السيد ماكسيم نانا، إذ وضعه على أول طريق الاحتراف وتحقيق الأحلام، بنقله إلى ناشئي نادي القطن عام 2006، وفي غضون أربع سنوات ابتسمت له الحياة، برحلة صعود سريعة بدأت بظهور لافت مع الفريق الأول بعمر 17 عامًا، ثم اختاره بول لوجوين المدرب الفرنسي مع 23 لاعبًا ضمن تشكيلة الأسود المسافرة إلى مونديال 2010 الذي احتضنته جنوب إفريقيا، وقتها كان اللاعب المحلي الوحيد في القائمة، وعن تلك اللحظة يروي أبو بكر فينسنت لصحيفة "فرانس فوتبول" الفرنسية قائلًا: "أدركت وقتها البعد الذي تمثله كرة القدم بالنسبة لي، وأيقنت بأنني سأحصل على مسيرة احترافية محترمة".

في نفس عام مونديال جوهانسبرج، أوفى مكتشفه نانا بالوعد الكبير، ونقله إلى جنة أوروبا عبر فالنسيان، في صفقة أبرمها النادي الفرنسي على أنها مشروع جورج ويا جديد قادم من الدوري الكاميروني، لكن الأمور لم تسر كما خطط لها أبو بكر ووكيله، بعد اتصال من أحد أشقائه الستة في أغسطس 2010، ليفجعه بخبر رحيل الوالد بسبب مرض غامض، ما أثر بشكل سلبي على مستواه ومشواره مع النادي، لينتهي به المطاف بتسجيل 7 أهداف فقط من مشاركته في أكثر من 80 مباراة، فيما تسبب ذلك بوصفه من قبل المشجعين والمتابعين من باب السخرية بصاحب القدم المربعة.

يدين أبو بكر بالفضل للمدرب كريستيان جوركوف، الذي أعاد اكتشافه في لوريان، بجرعة تدريبات مكثفة لإنهاء عقدته أمام المرمى، كان لها مفعول السحر في تحوله إلى ذاك الوحش الذي ختم الموسم بتسجيل 17 هدفًا خلال 38 مباراة، ليخطفه مصنع الجواهر الخام فريق بورتو البرتغالي مقابل 3 ملايين يورو صيف 2014، إثر معركة حامية الوطيس مع أولمبيك ليون، ورغم نجاحه في ترك بصمته في أول موسمين، إلا أن المدرب نونو سانتو طلب إرساله إلى بشكتاش على سبيل الإعارة، ليرافق زميله البرازيلي تاليسكا في حملة التتويج بلقب الدوري التركي، وبعد عودته لاحقًا بطلب من المدرب الحالي كونسيساو، كوّن شراكة نارية رفقة موسى ماريجا لاعب الهلال الجديد وياسين براهيمي، فيما عُرف بثلاثي الهجوم الإفريقي المرعب.

نجح أبو بكر في فكّ شفرة الفراعنة في حضور أحمد المحمدي، خلال مباراة نهائي أمم إفريقيا 2017، وقتها سحب البساط من محمد صلاح والنني وتريزيجيه بهدف أسطوري في آخر لحظات النهائي، لينصب الأسود ملوكًا للقارة السمراء للمرة الخامسة تاريخيًا، وعنها يقول: "لم أركز على جودة الهدف، جعلنا التعساء سعداء في البلاد وساعدت في إحلال السلام في الكاميرون". أما أوج أوقاته كلاعب، فكانت في النصف الأول من موسم 2018، حين رفع حصيلته إلى 22 هدفًا في ديسمبر 2017، بواقع 12 في الدوري البرتغالي، 5 في دوري الأبطال، 4 في كأس البرتغال، ما جعله ثاني هدافي القارة العجوز خلف الأوروجوياني كافاني، متفوقًا على النجمين البرتغالي رونالدو والأرجنتيني ميسي، وفي الوقت نفسه ارتبط اسمه بنادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي.

بعد عامين من نجاتها من حادثة سطو وسرقة على منزلها في جامبوتو، راح ضحيته حارس غدرًا بطعنة ساطور، شاء الله تعالى أن ترحل والدته أليس، إثر سقوطها في الحمام، وذلك قبل أيام قليلة من يوم ميلاده الأخير التاسع والعشرون في يناير المنصرم، والذي جاء تزامنًا مع استقبال أبو بكر طفله الثالث كريستيان، وهو الوحيد الذي كشف عنه في لقطة نادرة مع الزوجة على مواقع التواصل الاجتماعي، ويرجع سبب تكتمه على حياته خارج الملعب وندرة تصريحاته الإعلامية حتى في أوج لحظات النجاح، لتركيزه دائمًا على العمل وليس على الكلام، بينما وصفه إيبولي بيرتن مدربه السابق في القطن بالعبقري، أما مفجّر طاقته جوركوف ففسر اندلاع موهبته بقوله: لقد كان يحتاج الشعور بالرضا والثقة، فيما تغزل فيه المدرب هنري ماناجا بتعبيره: إن مهاراته خطرة ومفترسة.

أكثر شائعة أسعدت قلب أبو بكر فينسنت، حينما اخترقت صفحته بموقع ويكيبيديا وعدلت مهنته من لاعب في بشكتاش إلى ريال مدريد، ويُعد شخصًا مثقفًا بعيدًا عن كرة القدم، إذ يهوى الكتابة معبّرًا عنها بقوله "أكتب عن العالم الآخر منذ سنوات، أنا مفتون بالنوع البشري، الكون، الذرات وكل ما يتعلق بالميتافيزيقا". بينما تكمن مشكلته الوحيدة في كثرة إصاباته آخر عامين، والأسوأ من ذلك مزاعم تورطه في فضيحة تلاعب بالنتائج في الدوري التركي مع جان كلود بيلونج مواطنه وسط دفاع اتحاد اللعبة الكاميروني من مقره في ياوندي، فيما تؤكد صحيفة فاناتك التركية أن راتبه الجديد مع النصر السعودي 6 ملايين يورو سنويًا، وهو كفيل بأن تدك الدبابة السمراء حصون المنافسين بفضل إمدادات تاليسكا صديقه القديم.