|


أحمد الحامد⁩
من ذكريات السفر
2021-07-17
لاحظت أن إعجابي ببعض الدول التي سافرت إليها، كان سببه صناعاتها المتميزة أكثر من طبيعتها وتنوعها المناخي، فالطبيعة موجودة، ويُحسب للدول اهتمامها بها والحفاظ عليها.
لكن الصناعة هو ما يوجده الإنسان ويتفوق فيه ويتميز. وقد اكتشفت أن الصناعات الماهرة في تلك الدول بدأت فردية، لكنَّ هؤلاء الأفراد اهتموا بالجودة بطريقة مثيرة للاحترام، ودفعوا مقابلها العمل المستمر، والصبر الطويل، والتعلم الدائم، وحصدوا النجاح والتقدير والسمعة والتاريخ. أقول اكتشفت لعدم معرفتي السابقة بأن هذه الصناعات، التي أصبحت كيانات كبيره بفروعها في القارات، بدأت من منزل، أو مكتب صغير، أو كراج بيت، وبميزانيات مالية صغيرة لا تذكر. كل شركات الساعات السويسرية المعروفة اليوم أساسها أفرادٌ، بدؤوا لوحدهم، واستثمروا وقتهم بالعناية بمنتجهم وتطويره، كذلك الحقائب اليدوية المعروفة، بدأت على أيدي أفراد، باعوها للأسواق المحلية، قبل أن تتوسع، وتصبح شركات عالمية، يعمل فيها عشرات الآلاف من الموظفين في أنحاء العالم. الشركات الإيطالية التي تتعامل مع الجلود، وتصنع منها الأثاث الفاخر، والأحذية مرتفعة الثمن، يصل دخلها السنوي إلى المليارات، وشركات العطور الفرنسية والأمريكية، يعادل دخلها السنوي ميزانيات دول عدة في العالم! كل شيء صغير يكبر شريطة أن يكون هدفه الوصول إلى الجودة الفائقة، وهنا يكمن الفارق بين منتج وآخر، لكن خلف هذا الاختلاف فارقٌ بالعقول، واحترام العمل، بين مَن يعدُّ جودة عمله احترامًا لنفسه ومنتجه، بالتالي احترامًا للمستهلك، وبين مَن لا يجيد صنعته بالصورة المطلوبة، لكنه يقضي عمره يعمل فيها دون نتائج مُرضية، أو سمعة جيدة.
قبل عامين كنت في مدينة أوروبية، وقرأت إعلانًا عن معرض للأجبان، يقام فيها. ذهبت إلى المعرض للاطلاع والتنزُّه، لكنني وبمجرد أن تذوَّقت نكهات عدة لشركات معظمها شركات عائلية، توقفت طويلًا، فهذا الطعم الفريد الذي لم أعتد عليه من الأجبان ليس عاديًّا، وعرفت أن خلفه سنوات من الخبرة، كان أقلها 20 عامًا لإحدى الشركات، ووجدت شابًا يبيع أجبانًا لذيذة وبنكهات مختلفة، كان قد بدأ في المجال قبل خمس سنوات فقط. قلت له بعد أن تذوقت منتجاته، وسألت عن سنوات خبرته: “أرجوك لا تترك هذا المجال لأنك بارع جدًّا فيه”.
أتمنى من كل إنسان موهوب يريد أن يستفيد من موهبته، أو يحب عملًا ما، ويتطلع إلى ممارسته، أن يعقد معه صداقة طويلة الأمد، وأن يهتم به مثلما يتم الاهتمام بالمولود الصغير، وألَّا يستعجل النتائج الممتازة، لأنها قادمة طالما أنه مخلص في عمله، وهدفه الوصول إلى الأفضل.