|


فونيس موري.. صخرة نبتت بين حقول الزيتون والعنب

الرياض – عبدالرحمن عابد 03:51 | 2021.08.01
قدماه اعتادتا على تسلق الجبال، فبات من الصعب أن يتقهقر أو يرجع إلى الخلف. يملك عينان تلمعان بشدة حينما يزداد الليل سوادًا، أما تحت أبراج الإنارة فهو يراقب المنافسين داخل الملعب بحذر، إذ يمنحه طوله ميزة الرصد وقراءة اللعبة، فهو أشبه بخط الدفاع الأخير أمام هجمات الأعداء، فيما لا يتوانى عن التوغل إلى الأمام أثناء ركلات الزاوية ضاربًا برأسه ومتقمصًا المقولة اللاتينية «لا يوجد دفاع أفضل من الهجوم الجيد».

ولد فونيس موري في 5 مارس 1991، بمدينة ميندوزا الأرجنتينية قِبلة متسلقي الجبال، فالمدينة التي تأسست عام 1561 ميلاديًا، تقع على طريق رئيسي مع تشيلي حيث تضم جبل أكونكاجوا أكبر جبال الأميركيتين، ما جعلها مهوى السياح خاصة لغرض التزلج على الثلوج شتاءً، وإن كان قدر الفتى الولادة بين سفوح الجبال التي تعلم صعودها لاحقًا، فإنه لم يجد أمامه في مراهقته، إلا حقول العنب الواسعة ومصانع النبيذ ومعاصر زيت الزيتون.

نشأ موري الذي فضّل والداه تسميته باسم راميرو، حيث أصبح هذا الإسم المفضل لدى الجميع، ضمن بيت لم يكن فيه صوتًا أعلى من دحرجة كرة القدم، فوالده الذي احترف اللعبة انضم لأندية إندبندينتي وأتلتيكو أرجنتينو خلال ثمانينيات القرن الماضي. بينما وقع موري في غرام المعشوقة المستديرة عندما رأى وهو في الثالثة من عمره، بكاء أبيه إثر حرمان مارادونا من إكمال مونديال 1994 في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ساورت الشكوك آنذاك مسؤولي فيفا بعد احتفال الأسطورة الجنوني بعد تسجيله هدفا في اليونان، لاحقًا أثبتت الفحوصات الطبية تناول الراحل لعقار الإيفيدرين المحظور.

سنوات الهدوء التي عاشها موري مع شقيقه التوأم روخيليو لم تدم طويلا، فبمجرد أن بلغ السابعة من عمره كان على موعد مع الأزمة الاقتصادية الأرجنتينية التي ظهرت عام 1998، ما نتج عنها تدهور في عملة البيزو النقدية وارتفاع البطالة في سوق العمل، بينما لم يكن دخل أبيه المالي المحدود فعّالًا لدرجة تمكن العائلة من العيش وسط الغلاء، فلجأ كملايين الأرجنتينيين إلى أبواب القنصليات الأجنبية طمعًا في الحصول على تأشيرة سفر للخارج وهربًا من أزمة سُميت فيما بعد الكساد العظيم. وفي 2001 تمكن الوالد من الهرب بأسرته إلى تكساس الأمريكية حيث عمل هناك ميكانيكيًا.

«إذا أفرطت في الثقة، يمكن أن تُخدع بسهولة»، تلك قاعدة تعلمها موري وشقيقه روخيليو خلال سنوات تكساس، بعد اشتراكهما في مسابقة جائزتها القيد بكشوفات نادي إف سي دالاس، ورغم فوز شقيقه بالجائزة فوجئا إنه ليس هناك أي عقود، فقرر الأخوين العودة إلى بلادهما خاويين حزينين إلا من إتقان اللغة الإنجليزية بشكل ممتاز ترافقها ذكرى أليمة في بلاد العم سام.

بشق الأنفس التحق التوأمان بنادي ريفر بليت 2009، لكن بعد ثلاثة أعوام احترف روخيليو في أوروبا عبر بوابة بنفيكا البرتغالي، ما أثر على نفسية موري الذي شارك أخيه كل تفاصيل حياته، ما دفعه إلى اتخاذ قرار الرحيل من ريفير بليت الذي بات فيه أحد أركان الفريق الأول، لكن هدفا حاسمًا سجله المدافع الشاب في شباك بوكا جونيورز، منحته محبة قلوب ملايين المشجعين، وبعدها قرر البقاء متحولًا إلى أسطورة فريق المليونيرات، حيث لعب معهم 108 مباراة حصل خلالها على 6 ألقاب وسجل 10 أهداف حاسمة.

أثناء تلك السنوات لم يفقد موري حلمه باللعب في الدوريات الأوروبية، لذلك لم يتردد في قبول عرض نادي إيفرتون الإنجليزي في صيف 2015 بصفقة قدرها 12.5 مليون يورو، وفي حوار له مع صحيفة الإندبندنت البريطانية قال: «أعرف الكثير عن كتيبة (التوفيز) الزرقاء، إذ حلمت دومًا بالتواجد في الدوري الإنجليزي الأقوى على الإطلاق».

لم يشفع حب موري لتبديد صقيع مدينة ليفربول، فراقص التانجو الذي عشق مارادونا معتبرًا إياه ليس لاعب كرة فقط بل رمزًا للكبرياء الأرجنتيني، وجد نفسه في مكان لا يليق به، حتى أن أداءه الجيد شفع له باللعب لمدة 3 مواسم فقط، خاصة بعد أن وصفته الجماهير الإنجليزية بالعدواني نتيجة التحاماته القوية، وهو ما دفعه إلى الاعتذار لبعض المتضررين من الأندية المنافسة بجانب تعليق مشاركاته في بعض المباريات، لكن ما لم يدركه الجميع وقتها أنهم أمام لاعب قضى حياته في ديربي بوينس آيرس غارقا في القوة والعنف بقوله: «كرة القدم في الأرجنتين تعني الحياة أو الموت» .

لم تستوعب المدينة البريطانية الشمالية، دماء موري اللاتينية الحارة، حيث غادر إيفرتون منتصف 2018 باتجاه فياريال الإسباني، مودعًا برودة لم يعد يطقها ومفضلًا الأجواء الصيفية الحارة بالاستجمام على الصيف والاستجمام على شاطئ البحر البالياري أثناء أوقات فراغه مستمتعًا بزرقة المياه.

يفتخر البالغ من العمر 30 عاما بصداقته من مواطنه الأشهر ميسي، وكذلك الظاهرة البرازيلي رونالدو وأيضا الإنجليزي واين روني الذي زامله في إيفرتون، ودائمًا ما يدعم حملات الوقاية الطبية ضد السرطان رفقة زوجته روسيو التي أنجب منها الكبير فالنتين، والصغرى هيرموسا، بينما تنتظر عازف الجيتار مهمة شاقة بعد انتقاله من البحر الأبيض المتوسط إلى رياض نجد العذية، في مهمة صعبة بعيدًا عن الألعاب المائية وحفلات الشواء، فهل يستطيع فونيس موري أن يكون صخرة النصر الجديدة بجانب عبدالإله العمري الموسم المقبل؟.