|


عمان والسعودية.. قمة كروية فخمة

الرياض – عبدالرحمن عابد 10:18 | 2021.09.05
من مسقط إلى الرياض، لن يحتاج مدوّن تاريخ العلاقات بين البلدين، أن يقول عند لحظة ما، هنا سنقلب الصفحة أو سنبدأ من أول السطر، فهذا يصلح لمسيرة متقلبة صعودًا وهبوطًا، لا قصة كاملة من التعاون والإنجاز الذي يعلو يومًا بعد يوم، وتظهر ثماره في كل مرحلة، لتجسد حقيقة أن التكامل ونشر السلام أفضل سياسة للشعوب، شريطة التعامل مع المتغيرات بأكبر قدر من الذكاء والمرونة.

لذلك حين اختار سُلطان عُمان هيثم بن طارق أن تكون أولى زياراته الخارجية إلى نيوم في يوليو 2021، لم يكن الأمر يتعلق بقرب المسافة التي لا تتخطى ساعتين بالطائرة، بل تجسيدا لقوة علاقة بلاده وتأكيدًا على عمق العلاقات التاريخية بين السلطنة والمملكة، وحرصا على توثيق الروابط المشتركة التي تجمع بين البلدين، خاصة وأن السعودية بُحكم إرثها التاريخي والسياسي، تجسّد رأس الحربة التي تعمل دومًا على استقرار منطقة الخليج الغنية بالنفط، وعلى حفظ أراضيه تجاه الحرائق المشتعلة في منطقة الشرق الأوسط.

وإذا كانت الجغرافيا لعبت دورها منذ فجر التاريخ للتقريب بين البلدين، فإن اللغة والدين وثقّا العلاقات أكثر، وكما يوضح المؤرخ السعودي ابن بشر في كتابه "عنوان المجد في تاريخ نجد"، إنه من بين كل دول الخليج ظلت عمان لها خصوصية كبيرة لدى السعودية التي نظرت للسلطنة على إنها امتداد لأمن قومي للخليج العربي، كما أدرك شيوخ مسقط أن الرياض هي الملاذ الأخير لما تجسده من مكانة في العالم الإسلامي.

وفي عهد الراحل قابوس بن سعيد، قويت العلاقات بين البلدين بعد أول زيارة خارجية لسلطان عمان الراحل بعد توليه الحكم إلى الرياض في 11 ديسمبر 1971، تلبية لدعوة تلقاها من الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود آنذاك.، لتنطلق بعدها المسيرة التي تمثلت في الزيارات المتبادلة في العقود الماضية، وعقد الشراكات وتنمية التبادل التجاري بين القطبين الخليجيين.

مؤخرًا وصلت العلاقات السعودية - العمانية إلى ذروة مستوياتها، سواء من خلال توحيد الرؤى حول عدد من الملفات السياسية المهمة مثل الحرب على الإرهاب ومقاومة التطرف، أو من خلال محاور أخرى مثل تعزيز الاقتصاد غير النفطي والاهتمام بالطاقة الخضراء، وليس أدل من ذلك سوى رؤية عمان 2040، والتي سبقتها رؤية المملكة 2030 وكلاهما يستهدفان توفير حياة أفضل لشعبيهما، بدليل إنشاء مجلس التنسيق السعودي العماني قبل أيام قليلة من أجل رفع مستوى التكامل على كافة الأصعدة.

الانسجام السعودي العماني لم يتوقف عند حدود التجارة والسياسة، بل امتد إلى الشعبين الذي يمكن النظر إليهما كنسيج واحد، فبجانب الدين واللغة، تبرز العادات والتقاليد، بداية من العرضة حيث رقصة السيف السعودية ورقصة الخنجر العمانية، بجانب الحفاظ على المجالس العائلية كرابط مهم في التنشئة الاجتماعية، ووصولًا إلى الأكلات الشعبية، فإذا كان أهل المملكة يفضلون الكبسات والمفاطيح، فسكان مسقط يعشقون المجبوس وكلاهما وجهان لوصفة طعام واحدة.

الرياضة لم تكن استثناء، فاللاعبون العمانيون كانوا الأكثر حضورًا من بين محترفي دول الخليج في الملاعب السعودية، وبعضهم تمكن من صناعة تاريخ مميز، مثل عماد الحوسني الذي بدأ مع فريق الرياض 2004، واشتهر بلقب "العمدة" في مدرجات الأهلي، كما برز أحمد حديد الذي نال مع الاتحاد وصافة دوري أبطال آسيا 2009، بالإضافة إلى نجوم آخرين على غرار، حسن ربيع النصر وخليفة عايل وبدر الميمني في الرياض، وفوزي بشير وحسن مظفر الاتفاق وأحمد كانو الفتح وعبدالعزيز المقبالي التعاون وإسماعيل العجمي الفيصلي، وأخيرا النجم الكبير علي الحبسي مع الهلال.

ورغم أن المواجهات الكروية بين المنتخبين السعودي والعماني، تشير إلى تفوق الأخضر لكن هذا لم يمنع الأحمر من إثبات إنه منافس شرس مثل نهائي خليجي 19 الذي أقيم في العاصمة العمانية 2009، وقتها كسب العمانيون المباراة بسبب إضاعة تيسير الجاسم لركلة ترجيحية رغم تسجيل ياسر القحطاني وسعود كريري ورضا تكر وأحمد عطيف وأسامة هوساوي، فيما تعد أبرز المكاسب تلك الليلة تتويج ماجد المرشدي بنجم البطولة، ضمن مسيرة نتائج سعودية مميزة حصيلتها 14 انتصارا و4 تعادلات وخسارتين فقط.

في مجلسه العامر، تابع سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان برفقة سلطان عمان هيثم بن طارق، نهائي يورو 2020 بين إنجلترا وإيطاليا، ولطالما تساءل الأدباء حول كرة القدم: هل تجذب حقا رجال السياسة أم البسطاء فقط من عامة الشعب؟. الإجابة قطعا بأنها تثير العواطف والمشاعر الإنسانية، ومن أجلها تنزف الدماء وتذرف الدموع، حيث لا يملّ معظم الناس من متابعتها وتشجيعها، وكما يقول الروائي البريطاني أنطوني بيرجيس "إذا كان للعمل خمسة أيام وللعبادة في اليوم السادس، فإن اليوم السابع هو لكرة القدم"، وهو ما يصادف يوم الثلاثاء حينما تستضيف مسقط موقعة عمان والسعودية ضمن تصفيات كأس العالم 2022 المؤهلة إلى الدوحة.