|


النصر والاتحاد.. وبينهما الهلال والبلوي والخديعة الكبرى

الرياض - صالح الخليف 01:15 | 2021.09.09
الهلال زعيم الكرة السعودية مجدًا وإنجازًا وحضورًا لا يتوقف.. الأزرق الكبير ذو العلاقة المتوثقة مع أوج الذهب الخالص عيار 24 .. صنديد كرة القدم في العاصمة الشاسعة ووجيهها وواجهتها.. خريج مدرسة الفائزين والمحتفلين والمنتصرين على الدوام.. هذه نبذة غزلية بريئة من العشق براءة الذئب من دم ابن يعقوب.. لكنها تقال كتوطئة ربما نحتاجها حتى لا نتوه في وسط طريق موحش تتفلت من جنباته أصوات ملبدة بأهواء أنفس أمارة بالسوء.. وما أبرئ نفسي..!!
بالطبع هذا الهلال لا يحتاج شهادتي لكنني أنا الذي أريده شاهدًا وشهيدًا قبل أن ترفع جلسة متوترة أدلى فيها أصحاب الحناجر الصاخبة بأقوالهم.. والنصر بعد المداولة..!!
لنترك الهلال الآن بعيدًا.. اتركوه كما هو في حاله طوال تاريخه يتمدد على الشاطئ ويتبسم للعابرين ويستمتع مطلقًا لخيالاته العنان تسبح في سماء زرقاء استمد لونه الأزوري من وراء سحاباتها المتناثرة مطلع أكتوبر من كل عام..
سيدي الهلال.. أستميحك عذرًا.. سأعود إليك بعد الفاصل.. قد أستعين برأيك وآرائك.. وأيضا ما شهدته وسمعته بأم عينيك.. والحق ما شهد به الأعداء..!!
.. بعيدًا عن الهلال تدور منذ سنين عددًا رحى معارك تجول غبراتها الكالحة فوق رؤوسنا.. تزعجنا حينًا.. تربكنا حينًا.. وتضحكنا حينًا.. ضحك طفلين معًا.. ولا يبدو لهذه المعارك من منتهى.. أساسًا لماذا تنتهي.. أساسًا لماذا تبتدي.. إنها واحدة من علامات كبيرة وكثيرة تجعل من كرة القدم لعبة حيوية تتفاعل مع سلوكيات الناس والحياة.. الخلافات أو الاختلافات النصراوية الاتحادية.. ما حكايتها الطويلة ومن شرع لها الأبواب لتتسرب كالغازات السامة ثم يغنى على مزاميرها ألحان شيطانية، تسهر على أنقاض أعين معصوبة في حفلة عنوانها المكتوب: هيت لك..!
من الذي أوقد هذه النار اللاهبة ورقص على أدخنتها التي حجبت البصر والبصيرة عن رؤية حق يُراد بها باطلًا.. وما علاقة الهلال مثلاً بكل هذا الجدل الحائم على تخوم تويتر وإخوانه وأخواته من العائلة السوشالية المتجذرة في تفاصيل يومياتنا وحياتنا مع تبادل للكلمات واللكمات على ضفاف برامج الحكواتية وسط الفضاء المفتوح..؟
في آخر سنواته على وجه الأرض تصالح رمز النصر وراسم ثقافته الوجودية الأمير عبدالرحمن بن سعود مع الاتحاديين والسبب في ذلك الصلح الناقص يعود إلى وجود شخصية براغماتية تستولي تمامًا على المشهد الاتحادي مثل منصور البلوي..
التقى عبدالرحمن بن سعود مع البلوي.. لقاء الغرباء.. ما كان أبدًا الاتحاد ناديًا محببًا أو مستلطفًا للراحل الكبير.. يتملك البلوي كاريزما اللعب بالأوراق المبعثرة وصنع التحالفات المتقاطعة.. عرف البلوي مبكرًا أين تتجه الريح العمياء فعمق علاقته مع النصر في ظل أزمة مالية خانقة كان يعيشها القطب الثاني في تركيبة المشهد الكروي العاصمي.. من هناك اخترق البلوي لعبة البازل وجلس يرتب القطع المفقودة.. لم يكن الاتحاد ولا حتى الأهلي بالنسبة لعبدالرحمن بن سعود قضية تنافسية تستحق استهلاك طاقته النزاعية المتمثلة في الهلال.. يؤمن تمامًا أن جاره الأزرق هو وحده الجدير بالتركيز عليه ومجاراته متى ما ساعدته الأزمنة والأمكنة ومتى ما استطاع إلى ذلك نصرًا وسبيلًا..
كان الهلال هو التحدي المستمر والخطير في حياته الكروية.. وحتى تأتي الصورة متناسقة بلا أضلع معوجة لابد من القول أيضا إن رؤية عبدالرحمن بن سعود للهلال يشاركه فيها النصراويون عن بكرة أبيهم.. هو ذات الكلام يقال وبذات القياس والمقاييس عن الهلاليين والسائرين في ركابهم.. بنو هلال لن ينكروا أو يتجاهلوا حقيقة هذه الضدية المتشرسة مع شريكهم في التاريخ والجغرافيا والتركيبة الجماهيرية المنطلقة من أكبر المدن السعودية وأكثرها سكانًا.. النصراوي دائمًا وأبدًا وعلى مدار الأيام يرى الهلال غريمه اللدود.. مرة أخرى نستعيد العبارات أيها ونقول إن الهلال هو أيضا وبنفس المقدار يرى بالنصر ما لا يراه بغيره من المتسابقين.. يحب الهلالي هزيمة النصر حبًا جمًا.. هذا أقل حقوقه.. وأقل حقوق المنتمين لأصحاب القمصان الصفراء حينما تصبح كقصيدة ردية متبادلة..
في أواخر التسعينيات الميلادية بدأ الاتحاد يكتب نفسه كبطل.. نعم الاتحاد فريق كبير وتاريخي وهذا أمر غير مستساغ طرحه أو تناوله بأي طريقة.. هذا أمر محسوم تمامًا مثل طلوع الشمس من المشرق.. لكن الذي يجب التوقف عنده هو الكلام عن الخمسين عامًا الأخيرة وأين باتت مآلاتها.. العودة إلى التاريخ مزعجة ومرهقة.. يمكن تناول ما يتفق عليه عيون رأت وآذان سمعت وخطر على قلوب البشر..
عهد الكرة السعودية الحديثة والتي اقترنت بالمشاركات الدولية والمنافسات القارية انطلقت فعليًا في بدايات السبعينيات.. في السبعينات ما كانت كرة القدم جاهزة لكتابة اسمها بمداد من ذهب.. في السبعينيات كان النصر والأهلي شبه مسيطرين على الساحة المحلية.. في مطلع الثمانينات حيث قدوم أفواج المحترفين القادمين من كأس العالم 78 وأسماء عربية وأوروبية وكذلك مدربين كبار وكذلك منشآت وملاعب.. في هذه الأجواء المهيأة دبت على جسورها المتماسكة المرحلة الأهم في ذاكرتنا ومستقبلنا الكروي..
في تلك الفترة اتسقت الرؤية أكثر.. الكرة نصر وهلال.. في المنتخب يرفد هذان الناديان العاصميان السعودي الأخضر بأهم نجومه وأبرز لاعبيه.. شكل لاعبو النصر والهلال القلب النابض والعمود الفقري والحقيقة الثابتة والجدار المتماسك في تشكيلة المنتخب السعودي الفائز بأهم إنجازاته كأس آسيا 84 والصعود إلى أولمبياد لوس أنجلوس ثم الفوز أيضًا بكأس آسيا 88 ..
تلك وجوه رائدة صنعت المستحيل وساهمت بقوة وجدارة في تشكيل شعبية جارفة لثنائي العاصمة الكبيرين..
أن تنحصر كرة القدم في أي بلد حول العالم بناديين متنافسين على الدوام ليس فيه ما يخالف واقع الأشياء.. هذه مصر مثلًا السباقة للحضارة الكروية العربية بقيت تتناغم مع اللهث المتواصل للأهلي والزمالك أكثر من مئة عام.. ذات المشهد تمامًا في إسبانيا حيث الريال والبرشا.. في آخر الدنيا وراء المحيطات والبحار والأنهار والتضاريس المجهولة هناك بلد تدعى الأرجنتين.. فيها ريفربليت وبوكا جونيورز.. لا يمكن لأحد عاقل في بلاد الفضة القول إن ما يحدث يؤثر على مستقبل اللعبة الشعبية.. هذا مجرد هراء وحيلة عاجز يتمسك بمثاليات بالية ضلت دروبها وباتت نائحة تلطم حالها وأحوالها في العراء المكشوف..!!
أراد عبدالرحمن بن سعود ضم منصور البلوي إلى المساندين لمسيرة النصر وحضر البلوي بالفعل اجتماعًا نصراويًا شرفيًا شهيرًا داخل مقر نادي النصر في الجهة الجنوبية للعاصمة الرياض رغم توليه في ذات الوقت مسؤولية إدارة نادي الاتحاد.. كان مشهدًا دراماتيكيًا يبحث فيه كل طرف عن تسجيل هدف في مرمى الهلال..!!
هذه هي الحقيقة.. عبدالرحمن بن سعود ابتغى الدعم للنصر ولم يذهب إلى جدة لخطب ود الرئيس الاتحادي وإنما جعل ناديه مسرحًا للقاء.. رمزية مكانية يمكن فهمها بطريقة "الحاجة والمكان".. منصور البلوي يعي ماذا يعني أن تتحالف مع النصراويين في أتون حروب ضارية تنتظره مع الهلاليين..
كما يعي أهمية الدعم المالي، فبذات الميزان يعي أهمية المساندة الإعلامية.. يعرف أن الهلاليين يملكون آلة إعلامية نافذة وقوية ولهذا كان امتلاك صحيفة رياضية متخصصة إحدى مخططاته أمام مواجهة تحدي الصعاب في مجابهة الأزرق..
استفاد النصر لفترة محددة وبطريقة محددة وبمسافات محددة من الدعم المالي البلوي، واستفاد "اتحاد منصور" كما يحلو لكثير من المناصرين لتلك الشخصية من اصطفاف عشاق الأصفر وراء فريقه.. أساسًا ما كان البلوي يحتاج لكل تلك المقايضة المكتوبة بلعبة النوايا.. أساسًا النصراويون سيصطفون وراء الاتحاد بمجرد غياب فريقهم عن السباق ليساندوا كائنًا من كان بشرط أن يسقط الهلال من عليائه..!!
مر النصر بسنوات عجاف تقارب العشر كان فيها أشبه بجثة هامدة.. في ذات الوقت كان الاتحاد طرفًا دائمًا وثابتًا في المنافسة على الدوري.. اختصر الاتحاد تاريخه بتلك العشر فانتزع بطولة الدوري سبع مرات من أصل ثمانية ألقاب يمتلكها في المنافسة على المسابقة الأقوى على مستوى أوطان العرب.. تزعم آسيا مرتين متتاليتين وذهب يقارع كبار العالم.. الدوري هو المقياس في كل مكان.. التنافس على ألقاب الدوري مخصص لكبار الأندية وعمالقتها.. حالات نادرة ذهبت بطولة الدوري للأندية الصغيرة في مشارق الأرض ومغاربها.. لو حذفت هذه السنوات العشر من تاريخ الاتحاد وحذفتها من تاريخ النصر لاختل توازن الصورة والإطار والمصور..!!
بعد هذه العشر ماذا حدث للاتحاد وماذا حدث للنصر؟.. الاتحاد لم يستطع تجاوز حقبة نهاية جيل قاده الأسطوري محمد نور فتراجع لدرجة ملامسة مضارب الهابطين للدرجة الأولى.. شارف أكثر من مرة الخطر وبات الحديث عن سقوطه يحظى بمساحات كافية من الجدل والنقاشات والأسباب.. منذ عشر سنوات بالتمام والكمال خرج الاتحاد رسميًا من المتسابقين على المركز الأول في الدوري.. ارتضى بمناطق الدفء أو مكان يؤهله إلى خوض غمار البطولة القارية لا أكثر ولا أقل..
هذا حال الاتحاد داخل الملعب.. هذا ليس استنقاصًا لكنها حقائق أعرفها وتعرفها ويعرفها الناس أجمعين.. أعيدها فقط لفرضيات ما يمكن أن يقال.. النصر استعاد قواه.. كيف حدث هذا.. كان فيصل بن تركي كلمة السر وكلمة الفصل.. كلمة ليست كالكلمات..!!
جاء فيصل للنصر ووجد كل شيء مدمرًا.. لا بطولات ولا نجوم ولا صفقات.. والأهم.. ولا هيبة.. النصر الذي عرفه وعشقه وشجعه لم يبقى منه شيء.. ساعده أعضاء الشرف وعلى رأسهم خالد بن فهد على ترتيب الأوضاع بصفقات نخبوية تليق بالنصر لدرجة أن رئيس الأهلي الأسبق الأمير فهد بن خالد قالها صريحة على شاشة التلفزيون: "أعطوني عضو شرف يدفع 27 مليون في لاعب واحد" كان يقصد خالد بن فهد والتعاقد مع نايف هزازي.. بدأ فعليًا وعمليًا على إعادة نفسه للساحة منافسًا كبيرًا داخل الملعب وخارج الملعب.. أصبحت كل صفقة محلية مقترنة باسم النصر..
عاد النصر للبطولات.. هذا شيء طبيعي في ظل أرقام فلكية ضخت لتحقيق هذه الغاية.. هناك ما هو أهم.. مسح فيصل بن تركي الصورة الذهنية المترسخة والمتمثلة بتبعية النصر للاتحاد.. قال كلمته المكتظة بالفراسة والفروسية "ما صديقنا إلا أنا".. ليس لها ترجمة أو شرح أو تفسير.. معناها نحن أولًا وأخيرًا.. لسنا مع أحد لكننا ضد الجميع.. وهذه هي لعبة كرة القدم فعليًا.. لا يمكنك أن تكون مع أحد لكن طبيعي أن تساند من يناهز عدوك.. جماهير الريال تساند أي فريق يواجه البرشا.. هذا شيء من تبسيط المعضلات.. لمن ألقى السمع وهو شهيد..!!
قبل فيصل بن تركي تولى النصر إدارة عاشت خارج العصر.. تركت النزاع على الصفقات خارج اهتمامها لدرجة أن رجل تلك الإدارة القوي قال وبالحرف الواحد.. ليس هناك لاعب سعودي يستحق ثلاثة ملايين فيما كان الهلاليون والاتحاديون حينها يضعون أصفارًا سبعة على طاولة التفاوض مع لاعب واحد..!! سنوات يتذكرها النصراويون بحرقة وحزن وكآبة وألم.. أهم ما فعله فيصل بن تركي في النصر ليس إعادته لبطولة الدوري بعد انقطاع دام تسعة عشر عامًا.. أبدًا.. الأهم أنه رتب صورته ورتب موقعه ورتب حضوره.. انتصر كثيرًا خارج الملعب بصفقات لا تنسى.. حتى الهلاليين أنفسهم لم يستطيعوا مجابهته.. جعل من فوزهم بالدعيع وبشار عبدالله مجرد ذكريات ليس إلا.. عوض خميس وخالد الغامدي نماذج حية.. ما كان فيصل بن تركي قنوعًا بمستوى عوض خميس مثلاً لكنه وجدها مريرة أن يأخذ الهلال لاعبًا من بين يديه.. أعاده بعد أن صور مع الهلاليين ومع وكيل أعماله.. ثم نشبت قضية قانونية شائكة محصلتها الأخيرة أن النصر ليس هو النادي الذي يؤخذ لاعبوه في وضح النهار.. فقط..!!
أراد فيصل بن تركي الضغط على مسألة أن ناديه المتسيد بشموخه وكبريائه لدرجة أنه رفض وصف الاتحاد بالأصفر.. قال لا أصفر غير النصر.. يعيد بشكل شعبوي وعملي ما قاله المدرب الخبير أليكس فيرجسون: "ليس في مانشستر نادٍ سوى مانشستر يونايتد".. في هذا المنعطف أزاح الريح آخر بقايا علاقة وطدها البلوي مع النصر.. كان شقيقه إبراهيم رئيسًا للاتحاد حينها.. توقع الواهمون أن جلوس منصور في اجتماع أعضاء شرف النصر تلك الأيام سيكون شفيعًا وشيكًا مفتوحًا على الدوام.. مرحلة مريرة من تاريخ النصر.. هذا ما ابتغى فيصل بن تركي تثبيته.. أخي جاوز الواهمون المدى..!!
من تلك اللحظة باتت علاقة النصر بالاتحاد ليست على ما يرام.. قبل ثلاث سنوات تنافس النصر والهلال على الدوري الاستثنائي.. بالطبع اصطف الاتحاد جمهورًا وإعلامًا وفريقًا وراء الأزرق الذي لا يحتاج إلى مساندة من أي نوع.. كان رئيس النصر حينها سعود آل سويلم.. هو الآخر يمتلك ما يكفي من صفات شخصية متلحفة بالأنفة والاعتزاز حتى لقّبه جمهوره بالشامخ..
هناك حادثة قطعت الشك باليقين على أن سعود آل سويلم يرى الاتحاد بمنظور فيصل بن تركي.. يلعب المنتخب المغربي مباراة دولية في الرباط.. طار لاعب الوسط النصراوي نور الدين أمرابط لتمثيل منتخب بلاده.. لذات المهمة ذهب لاعب الاتحاد كريم الأحمدي.. وفر النصراويون بواسطة رئيسهم طائرة خاصة تقل أمرابط من الرباط إلى الرياض.. الطائرة ستحط رحالها في مدرج مطار الملك خالد الدولي في الرياض.. الاتحاد كانت تنتظره مباراة مهمة مع الفيصلي في المجمعة.. يقال إن إدارة الاتحاد التي كان يقودها لؤي ناظر طلبت دفع نصف تكاليف الرحلة ليترافق الأحمدي مع أمرابط الذي سيكون وحيدًا على متنها.. رفضت إدارة النصر وتركت لاعبها ينعم بالرحلة الدولية الخاصة دون رفيق.. أثارت الحادثة وأثار الرفض الحنق والسخط والغيظ الاتحادي.. لست متأكدًا من صحة هذه الرواية بتفاصيلها لكن احتفال الاتحاديين المثير بالفوز على النصر بالرياض ربما كان ردًا على تلك البادرة الرافضة..
نعم كان الاتحاد يحتاج الفوز لتفادي الهبوط.. لكن المفسرون ذهبوا إلى أن ما حدث بعد المباراة أكبر من احتفال وهبوط..!!
إنها الأنفس.. إنها خائنة الأعين وما تخفي الصدور..!!
يبحث الاتحاد عن مهاجم هذا الصيف.. يفتش في مخابئ الأندية المحترفة وأرقام النجوم الدوليين.. يستقر على الكاميروني أبوبكر فينسنت الناشط في الدوري التركي.. يتسلل الخبر لأذهان النصراويين.. دخلوا على الخط وحسموا الصفقة.. تتكرر الحكاية.. يصل البرازيلي أنسيلمو إلى مطار جدة.. يستقبله جمهور الاتحاد ويحتفلون ويعلنون التحدي.. مرة ثانية يدخل النصر.. والنهاية طبعًا معروفة.. يقال أيضا إن إدارة النصر كانت تضع ثقلها في اللحظات الأخيرة قبل إقفال فترة التسجيل الصيفية على حارس مرمى.. ما كان أنسيلمو بين حساباتهم لكن مفاوضات غير مباشرة تمت مع حمدالله غيرت التكتيك.. يقال إن شقيق حمدالله والذي يتولى أيضا إدارة أعماله تلقى مكالمة من ابن جلدته كريم الأحمدي يبلغه فيها رغبة الاتحاديين في خطف اللاعب الذي أوشك عقده على النهاية.. يقال إن حمد الله أبلغ إدارة النصر بهذه التطورات.. بدورها أرادت الإدارة الانتقام وبسرعة.. وجدوا أنسيلمو جاهزًا أمامهم لتوجيه رسالة سريعة ورد اعتبار.. إنها واحدة من فصول كثيرة تعطي دلالات وافية على مستوى جلمود صخر حطه السيل من علي بين العملاقين..
يصب الإعلاميون من الطرفين وناشطو تويتر مزيدًا من الزيت على النار المتقدة.. يستعيد كل منهم أفضاله على الآخر.. شماتة وتحجيمًا وتصغيرًا.. يستعيدون حكاية البلوي وكيف كان يدعم النصر.. يستعيدون أيام ظل فيها النصراويون مجرد مشجعين لأصحاب القمصان المقلمة بالأصفر والأسود في كل نزاع مع الأزرق.. هي القصص العتيقة بلا إضافات أو زيادات أو شهود عيان.. هذا يفعله المتراشقون بأسماء أغلبها تتحرك وراء ألقاب مستعارة لا يعرفها أحد على أجنحة تويتر المتعلقة بالأسرار والخفايا وما لا يعلمه إلا الله سبحانه.. هناك لغة يرددها الجهابذة من الإعلاميين الاتحاديين مفادها أن صحافتهم تفضلت على زملائهم النصراويين وفتحت لهم الصفحات ليسجلوا حضورهم ويمارسون هواياتهم بعد أن لفظتهم صحافة المنطقة الوسطى المنتمية كما هو متعارف عليه للهلال.. هذا ما يقولونه بألسنتهم.. ليكن هذا صحيحًا.. هذا يعني أنهم تجنوا على المهنة المعقدة وحولوها إلى ثكنة لا يشترط بالمنضمين إليها سوى ما يخدم هوى النفس فيما الصحافة تتطلب الحد الأدنى من توافر متطلبات مثل الموهبة والالتزام والواقعية والمصداقية.. هل كان الاتحاديون يستقبلون الصحفيين النصراويين فقط لأنها ضاقت بهم ساحة الصحافة بما رحبت فكانت صحافة الاتحاد هي الملجأ والملتجأ وأرض الأمل..؟!!
كان هناك صحفي نصراوي يستعد لتوقيع أول عقد إعلامي في حياته.. اتفق مع إحدى الصحف المنتمية لإمبراطورية متجذرة في الصنعة المهنية.. قبلها بساعات قلائل غيّر وجهته وذهب للعمل في صحيفة رياضية اتحادية متخصصة عقب إغرائه بما يفوق الـ700 ألف ريال اشترى بها فيلا لعائلته الصغيرة.. كان حسب ما أعرف أول وآخر صحفي سعودي ينتقل بطريقة اللاعبين المحترفين ويحصل على مقدم عقد.. كانت تلك صحيفة اتحادية وكان ذاك صحفي نصراوي..
صحيفة اتحادية رياضية أخرى كانت تعتمد تمامًا على مقالات كاتب نصراوي.. هو سبب شهرتها وسبب تسويقها وسبب ارتفاع مبيعاتها وسبب انكباب القراء عليها.. كوني منتميًا لهذه المهنة أملك كثيرًا من حكاياتها وحقائقها وما دار وراء أبوابها الموصدة، لكن بالطبع يستحيل أن أقول كل ما أعرف.. ليس كل ما يعلم يقال.. تلك أسرار الرجال.. يجب علينا صونها وصيانتها..!!
أقول هذا الكلام فقط حتى أبعد جدلية التفضل على إعلاميي النصر من قبل الاتحاديين.. تبقى لدى عشاق عميد الأندية السعودية المناكفة بمواقف البلوي وهذا كما قلت فيها ما يؤخذ وما يرد..
أعود عاجلاً متعجلاً للهلال.. أضعه مجدداً وسط العاصفة.. ومتى لم يكن الهلال في وسط العواصف.. يردفه الاتحاديون على طريقة "ليس حباً في معاوية".. لماذا يساعده الاتحاديون رغم يقينهم التام بأنه لا يحتاج إلى وقوفهم أو مواقفهم.. يقولون إنهم منافسوه الحقيقيون والرسميون والشرعيون.. هذا الهلال وكل يدعي وصلًا بليلى.. لا يعيب الاتحاد ولا يعلي شأن النصر منافسة الهلال.. هو صراع كروي أولاً وأخيراً يختلف في كل عام باختلاف المعايير والأدوات والغايات.. لكن ليس من التعقل إزاحة النصر عن حقه المكتسب والواضح في مزاحمة الهلاليين على كل شيء.. يغفل الكثيرون ممن يسعون إلى التقارب مع ذلك الأزرق المشع أن هناك دائرة مفصلية تجمع الهلال بالنصر دون غيرهما.. هذه الدائرة يمكننا تسميتها بالتأثير الاجتماعي.. يملك النصر مع الهلال ميزة الإثارة المكتسبة من كرة القدم فتأتي قضاياهم ومشاكلهم وانتصاراتهم سواء مجتمعين أو منفصلين بصدى واسع ودوي يتردد في كل مكان وهذا مالا يمكن صناعته أو تمثيله أو استعارته.. يرافق الصخب والاهتمام أي قضية أو حادثة نصراوية.. كما هو الحال مع الهلال.. هذا لا يعني التجاهل أو الرغبة في الانتشار لكنها واقعية الأشياء التي لا يمكن تجاوزها لتحقيق عدالة مهترئة.. الإعلام بكل أطيافه وأذرعته وأطرافه لا يتطرف دائما.. يلهث الإعلام خلف ما يريده الناس ويهتمون به ويتوقفون عنده.. كثير من النصراويين يتعاملون مع هذا الاهتمام بتذمر وأفكار مؤامراتية لولا أنهم لو جلسوا وتمعنوا بما يحدث لفريقهم لحطوا في بطونهم بطيخة صيفي وأراحو واستراحوا.. الإعلام يهتم بك لأنك مهم.. فقط..
اتركوا الآن بطولات الهلال وإنجازاته ومرافقته الدائمة للهامات والقمم.. هذه أمور محسومة وأرقام لا تجارى جعلت من الهلال اسماً ثابتاً في كل عام كما هي المواقيت والأشهر ومواعيد العشاق التي لا تخلف..!!
تنافس الاتحاد مع الهلال قرابة العشر سنوات غاب فيها النصر تماماً.. هذا كلام نعيده ونكرره ليس لتأكيده أو إثباته أو فرضه لكن فقط تنشيطاً لذاكرة قد يصيبها العطب بدواعي عوامل التعرية أو غايات في نفس يعقوب..!!
السؤال حينما يصبح علينا لزاماً إعادته بصياغة جديدة..
لما كل هذا التوتر وهذه المناكفة بين النصراويين والاتحاديين..؟
وقبل الإجابة.. هل كان كل ما قلته سابقاً أشبه بمرافعة مجانية دفاعاً عن النصر مثلاً.. ثم هل النصر مجني عليه حتى أدافع عنه.. هل هو بالفعل ينتظر صعودي منصة المحاماة لأنقذه من اتهامات لا تتوقف..؟!
إنها الأسئلة الحائرة التي أنتوي الهروب منها أو إليها.. تكلمت وقلت باختصار إن عبدالرحمن بن سعود لم يكن يهمه الاتحاد.. تكلمت وقلت إن البلوي لم يكن يهمه النصر.. تكلمت وقلت إن الهلال كائن يعيش في عليائه يريدون إقحامه في سفاسف أمورهم.. ما شأن الهلال بضوضاء الاتحاد والنصر؟.. إنه يتفرج على المشهد كمتابع في وقت فراغه..!!
إنها أسئلتي التي لا أملك إجاباتها.. ربما أملكها.. وأخبيها عامداً متعمداً تحت وسادتي المصنوعة من خيوط العنكبوت.. وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كان الاتحاديون والنصراويون يعلمون..!؟