|


بين السعودية وأستراليا.. اقتصاد وبحار وخيبات كروية

الرياض – عبدالرحمن عابد 06:50 | 2021.11.09
يا لها من مسافة طويلة، بين الرياض وسيدني، حوالي 13 ألف كم، جزء على اليابسة والأجزاء الباقية تغمرها زرقة مياه البحر، فحينما تغادر العاصمة السعودية على متن الطائرة، تشاهد ناطحات السحاب تختفي شيئا فشيئا، وبعدها يظهر خليج عمان يليه البنغال قبل الدخول إلى المحيط الهندي، وأخيرا بعد رحلة 14 ساعة ترى من النافذة الضيقة، أقدم مدينة أسترالية.

من قلب الرياض، حيث قصر الحكم والدرعية والمتحف الوطني، إلى قصر الملكة فيكتوريا والحدائق النباتية الملكية ودار الأوبرا الشهيرة، لم تبدأ العلاقات التاريخية بين البلدين إلا بعد إنشاء أستراليا تمثيلها الدبلوماسي بمدينة جدة عام 1974، تلاها افتتاح السعودية لسفارتها في كانبرا 1983، بينما ترسخ التعاون الثنائي بزيارة رفيعة من الملك سلمان بن عبدالعزيز عندما كان أميرًا للرياض عام 2000، بافتتاحه مبنى السفارة الجديد في كانبرا، لتكون أول زيارة لمسئول سعودي رفيع المستوى.

لاحقا، تعززت تلك الزيارة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وبعد أعوام تأسس المجلس السعودي الأسترالي لتسهيل عمليات التجارة مطلع 2013، وكانت النتيجة أن المملكة أصبحت ثالث أكبر سوق لأستراليا في الشرق الأوسط، وفي المقابل استطاعت السعودية تنفيذ أول عملية استثمار زراعي في القارة الذهبية، وهو ما أتى ثماره بتوريد أول شحنة قمح في 2021 إلى الرياض.

بجانب دور السعودية القوي في تنمية الاقتصاد الأسترالي، على مدار الـ30 عام متتالية من خلال قطاع الطاقة، فإن رؤية البلدين تجاه الملفات الدولية، جسّدت مدى قوة العلاقات بينهما، إذ وقفا جنبًا إلى جنب في التحالف الدولي لمحاربة داعش ودحر الإرهاب، وكذلك التحالف الدولي لأمن وحماية الملاحة البحرية لضمان أمن سلامة السفن التجارية في مضيق هرمز.

بالإضافة إلى ذلك، فوجود البلدين ضمن مجموعة العشرين (G20) مكنهما من العمل سويًا، خاصة خلال العام الماضي حين تولت السعودية دفة القيادة في وقت وباء كورونا العالمي، واستطاعت ضرب مثل عالمي في التعامل مع الفيروس الشرس، بجانب ملف التغير المناخي، حيث تعدّ كانبرا أكبر الداعمين لمبادرات الطاقة الخضراء، معتبرة ذلك سبيل يجب على جميع قادة الدول اتخاذه، مثلما فعل سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بإطلاقه مبادرات السعودية الخضراء.

الرؤية الموحدة بين البلدين العريقين، أدت في النهاية إلى تبادل أكثر عمقًا حتى وصل إلى حد تفاهم وانسجام اجتماعي شعبي، ففي بلاد الكنغر استطاعت السعودية أن تلعب دورًا ثقافيًا مهمًا من خلال النادي السعودي هناك، حيث أصبح اليوم العالمي للغة العربية مناسبة ثقافية تحرص أستراليا على الاحتفاء بها دائمًا. وما زاد التلاحم الشعبي هو الابتعاث الخارجي، إذ تُعد أستراليا وجهة رئيسية للطلاب السعوديين وقد تجاوز عددهم 6000 طالب سنويًا، فرغم الفروقات الثقافية، إلا أن العوامل الجغرافية توحّد الشعبين، طقس حار وجبال وصحراء وقوة بأس.

في سيدني التي تعتبر أول مستوطنة أوروبية في القارة الأسترالية، يختبر لاعبو المنتخب السعودي أنفسهم وهم يواجهون المنتخب الأسترالي، الخميس ظهرًا، ضمن تصفيات كأس العالم 2022، في مواجهة تحدد من هو سيد آسيا، خاصة أن الأخضر يتصدر مجموعته بالعلامة الكاملة برصيد 12 نقطة، مقابل تسعة نقاط لمنافسه الباحث عن عودته أمام أنصاره على ملعب مي دينه ستاديوم، بطلب إلى حكومة نيو ساوث ويلز قدمه المدرب غراهام أرنولد.

رياضيًا جاءت أستراليا متأخرة بعض الشيء، إذ إنها فشلت في الحصول على عضوية أي اتحاد قاري لفترة طويلة، وفي 1960 طلبت الانضمام إلى الاتحاد الآسيوي، وتم الرفض بسبب القوانين، فاتجهت لإنشاء اتحاد أوقيانوسيا 1966 رفقة نيوزيلندا، لكن حلم الانضمام إلى كيان آسيا ظل يراودها، وفي 2005 وافق تنفيذيو الاتحاد الآسيوي بمباركة القطري محمد بن همام، على آسيوية الأستراليين، مبررين ذلك بقوتها الاقتصادية ومساعدتها على انتشار اللعبة ورفع مستوى الكرة في القارة الصفراء.

باتت المواجهات السعودية الأسترالية أمرًا طبيعيًا، لا سيما في التصفيات المونديالية إذ التقيا 4 مرات بينهما، وكانت النتيجة 3 انتصارات أسترالية مقابل تعادل وحيد. بينما لم يقف التنافس عند هذا الحد. بل دخل المحترفون الأستراليون إلى ملاعب السعودية، ديمتري بتراتوس في الوحدة، وكريغ غوديون يلعب مع أبها، وريس ويليامز في القادسية، وتصف جريدة "SBS" الأسترالية، الدوري السعودي بأنه الأكثر طموحًا لدى شعبها.

رغم ذلك، يترقب موقعة الخميس نحو 30 مليون مواطنًا، بكثير من القلق وقليل من الحماسة، بعد أن انهارت بقايا الكرة السعودية في ملبورن 2012، يومها فرح المشجعون بموهبة سالم الدوسري وآلمهم 4 أهداف سكنت شباك وليد عبد الله وأمامه أسامة هوساوي وكامل الموسى والزوري وحسن معاذ وكريري والشلهوب وناصر الشمراني وتيسير والفريدي، فهل يعيد المدرب الفرنسي رينارد البسمة للسعوديين، كما فعل المدافع الراحل محمد الخليوي في كأس القارات 97؟.