|


شعاره أصفر وأزرق.. وأسَّسه المراهقون..!!

الرياض - صالح الخليف 04:40 | 2021.11.17
حدد البحر ألوانه وشعاره.. انتهى الجدل.. اتفق الصبية على القرار الحاسم بعد خلاف طارئ.. اقترح أحدهم أن يرتدوا قمصانًا تأخذ صبغتها من علم الدولة الأولى التي يستقبل الشاطئ سفينتها القادمة.. وصلت باخرة سويدية محملة بالبضائع.. علمها الأزرق والأصفر يتراقص مع حركة الأمواج، فيما أشعة الشمس الدافئة تغادر الأفق البعيد استعدادًا لغروب جديد..
قبلها كان المراهقون الستة مجتمعين في فناء منزل صديقهم استيبان بالييتو للتشاور حول تأسيس فريق كروي على أطراف العاصمة الأرجنتينية المكتظة بالمهاجرين والوافدين والغرباء..
ومن داخل حي لابوكا اتفق الصغار على تنفيذ الفكرة ثالث أيام أبريل من العام 1905.. تعالت أصواتهم وارتفع ضجيجهم نتيجة الحماسة التي عادةً ما يبديها اليافعون انتصارًا لمولد فكرة مجنونة.. خرج والد بالييتو فطردهم من منزله وراحوا يكملون شقاوتهم في شارع بلازاسوليس..
جلسوا فوق مقاعد إحدى الحدائق، وتعاهدوا على تأسيس فريق يلعب كرة القدم ويمثل الحي الفقير الذي يسكنه العمال وغالبية المهاجرين القادمين من إيطاليا.. هكذا ولد النادي الذي قدّم للعالم فيما بعد أعظم لاعب كرة قدم أمس واليوم وغدًا..
هذا بالضبط ما حدث في بلد يدعى الأرجنتين، يتعاطى شعبه وناسه وأهله مع كرة القدم كما تتعاطى الأشجار مع جذورها وظلالها وأوراقها الخضراء داخل غابة استوائية لم يكتشفها البشر حتى الآن..
بهذه الطريقة ولد بوكا جونيورز.. شلة مراهقين غرباء يعيشون حياة المعدمين، فتحوا أبواب الدنيا ليرى النادي الأعظم في القارة الأمريكية الجنوبية الضوء والنور والضياء.. ولو لم يأتِ بوكا إلا بمارادونا لكفاه شرفًا وعزةً وكرامة..
الأندية وتأسيسها تتحول في عوالمنا إلى مغالطات تتلحف بخرافات وأدلة ساذجة وظنون تهواها أنفسهم، وكلام يتواترونه ما أنزل الله به من سلطان.. كأنهم يريدون أحيانًا لأندية يشجعونها أن تتأسس داخل قاعات الجامعات وعلى أيدي الأطباء والمهندسين والمحامين والأدباء..
كرة القدم لعبة تُعشق فيها التفاصيل الصغيرة، لكن التأسيس ليس من مستوجبات ذلك الحب الممنوع.. تحب هذا الفريق من أجل بطولاته.. من أجل إنجازاته.. من أجل رجالاته.. من أجل نجومه ومبدعيه ولاعبيه.. لماذا تتوقف عند قصة تأسيسه التي قد تتغشاها الرواية المؤدلجة والقصة الدجَّالة..
تتصارع الأصوات حولنا وعندنا وراء قصة تأسيس كل نادٍ.. يقولون هذا تم تأسيسه في كراج.. ذاك شهدت حارة بائسة يوم ولادته ومولده.. وذاك انشق عن الأصل فأصبح الفرع.. مناكفات تتقاذفها الألسنة المتفلتة استجداءً لقطيع يتمترس وراءه..
ليس بوكا وحده في هذا المركب الأخَّاذ.. ليس وحده.. هذه بريطانيا العظمى.. مسقط رأس ديانا وتشرشل ومستر بن.. وهذا أرسنال تأسس عام 1886، أي أن عمره يناهز الـ 150 عامًا.. بدأ تحت اسم "ديال سكوير" من خلال عمّال في ورشة حملت نفس الاسم "ديال سكوير" التابعة لمؤسسة "رويال أرسنال"، والمتخصصة في صناعة الأسلحة..
انطلقت فكرة النادي اللندني العريق من خلال المهندس الميكانيكي الأسكتلندي دافيد دانسكين، والذي قام بشراء أول كرة للنادي جمع قيمتها من تبرعات قدَّمها زملاؤه العمّال، بينما تكفل فريدبير دسلي، حارس مرمى نوتينجهام فورست، بتأمين قمصان حمراء من ناديه السابق حتى يرتديها لاعبو الفريق الجديد..
بعد سنوات ست صار هناك نادٍ اسمه ليفربول، وهذا تأسس عقب خلافات يمكن وصفها بالصبيانية، جمعت جون هولدينج رئيس نادي إيفرتون ومالك ملعب أنفيلد من جهة، وبقية الإداريين من جهة أخرى..
رفض الإداريون الاستمرار في العمل مع جون فتركوه وحيدًا.. قدَّم الاستقالة وترك لهم النادي الأزرق، وبحكم أن لديه ملعبًا فقد قرر على الفور إقامة مشروع فريق كروي أحمر، ليصبح "أنفيلد" مسرحًا مفضلًا ودائمًا لمغامرات ليفربول..
لولا ذلك الخلاف لما كان ليفربول حاضرًا الآن.. ولربما عاد محمد صلاح يلعب في الأهلي أو الزمالك عقب تجربة ليست ناجحة تمامًا بين عدة أندية أوروبية، قبل أن يكتب أبو مكة تاريخًا استثنائيًا مع ليفربول، لا زالت فصوله تواصل العرض حتى يومنا هذا.. فشكرًا جزيلًا لجون.. وشكرًا جزيلًا لذلك الخصام المتجمل..
وعلى بعد 120 كلم تقريبًا من ليفربول هناك مدينة مانشستر وفيها يقيم مانشستر يونايتد.. النادي الذي يوصم لاعبوه بالشياطين الحمر.. تأسس عن طريق قسم النقل والعربات في مستودع سكك لانكشاير الحديدية.. وفي البداية كان اسم النادي نيوتن هيث وذلك عام 1878.. بمعنى أن هذا الفريق، الذي يعد الآن واحدًا من أكثر أندية أوروبا ربحية وقيمة سوقية، بدأت قصته من مستودع قطار.. نعم هذه هي الحقيقة..
وفي المكان نفسه، ابتغى أعضاء كنيسة سانت مارك تأسيس مانشستر سيتي لدواعٍ إنسانية، حينما تكفل اثنان من حرَّاس الكنيسة بالمساهمة في الحد من عنف العصابات والمتمردين ومحاربة إدمان الكحول في المدينة الإنجليزية الشمالية الباردة، عن طريق إقامة أنشطة جديدة يتلهَّى بها أبناء المدينة.. يعني أن النادي السماوي الثري لم يؤسس ليكون بطلًا يطبَّق فيه الإسباني جوارديولا نظريات الاستحواذ على منطقة المناورة.. وإنما فقط لحماية السكارى من أنفسهم، وردع كل من تسول له نفسه الخروج عن الآداب العامة وإزعاج الناس..
أما توتنهام، فتأسس بواسطة طلاب مدرسة سانت جون المتوسطة ومدرسة توتنهام جرامار، ولم تتجاوز أعمار أصحاب الفكرة الـ 13.. يعني مراهقون.. يعني وجوه بريئة لم يخطر ببالها هي الأخرى أن ما يفعلونه سينتج فريقًا سينافس بشراسة كل عام أقوى أندية الكون في أقوى دوري حول العالم..
نتجه إلى ألمانيا.. هناك حيث عسكرية هتلر الانتحارية التي لا زالت مآسيها ماثلة على الأرض.. حيث إبداعات يوهان غوته الروائي الذي طورت كتاباته وآراؤه العقلية الأوروبية.. حيث شركة مرسيدس التي جعلت من السيارات مدعاة للتفاخر والتباهي ورمزية صناعة تبرهن عبقرية الإنسان.. حيث بايرن ميونيخ.. النادي الذي رسَّخ فلسفة الانتصار بأي طريقة في عوالم كرة القدم.. هذا النادي تأسس إثر انشقاق مجموعة رفضت المضي قدمًا في لعبة الجمباز.. كان هناك نادٍ يدعى ميونيخ متخصص في الجمباز، وحينما أراد بعض اللاعبين الانضمام إلى الاتحاد الألماني لكرة القدم رفض النادي، فأعلنوا العصيان وراحوا وأنشأوا هذا الفريق الماثل بكل كبريائه وجبروته وقوته وعنفوانه.. كأن هتلر هو الذي أسسه..!!
أما باير ليفركوزن فتأسس عام 1904 بواسطة شركة باير للأدوية، بعد أن وقَّع 170 عاملًا خطابًا يطالبون فيه الشركة بدعم مشروع إطلاق نادٍ لكرة القدم التي بدأت تنتشر في أوروبا.. عمَّال شركة أدوية هم الذين أسسوا باير ليفركوزن..
وفي العام ذاته، استقبلت ألمانيا نادي شالكة الذي انطلق للحياة على يد طلاب المدارس، وحمل لقب فريق عمَّال المناجم، لأن مجموعة كبيرة من لاعبيه وأيضًا جماهيره كانوا يعملون في مناجم منطقة جلسنكيرشن..
ثم فيردر بريمن، وهذا هو الآخر تأسس بواسطة ثلة من الطلاب الذين لم تتجاوز أعمارهم الـ 16، وكانت الشرارة الأولى لإغرائهم بإنشاء النادي عائدة لفوزهم بمسابقة "شد الحبل".. والجائزة كانت عبارة عن كرة قدم وذلك عام 1902..
نحلِّق إلى بلاد الإسبان موطن الفن المتجاوز لسرعة الصوت.. وطبقة الأوزون.. وحدود الغطاء الجوي.. موطن بابلو بيكاسو وسلفادور داني وفرانشيك غويا.. هناك تأسس ريال مدريد.. وهذا النادي بكل ما يحمله من شمولية اجتماعية ورياضية وجماهيرية، كان في الأساس يحمل اسم نادي سكاي قبل أن يتحول رسميًا إلى ريال مدريد، وتأسس بواسطة طلاب مؤسسة التعليم المجانية.. وفي الضفة الأخرى حيث غريمه اللدود برشلونة فتأسس بعد ثلاثين يومًا من إعلان نشره السويسري جوان جاسبر في صحيفة لوس ديبورتيس وأبدى فيه رغبته بتأسيس نادٍ في الأراضي الكاتالونية وذلك عام 1899.. إعلان صغير في صحيفة ينتج عنه نادٍ يستوعب أعظم أساطير كرة القدم عبر التاريخ.. مارادونا وكرويف وميسي ورونالدينيو..
أما أتلتيكو مدريد الذي يحمل لقب الدوري الإسباني ويقوده الأرجنتيني المناضل المدرب المثير سيميوني منذ 11 عامًا، فهذا تأسس عن طريق ثلاثة طلاب باسكيين كانوا يعيشون في العاصمة، والذين أرادوا بهذه الخطوة أن يكون فريقهم الجديد فرعًا لنادي أتلتيك بيلباو الباسيكي.. تعاملوا مع الموضوع وكأنك تفتح فرع لمطعم في مدينة ثانية وذلك عام 1903..
ثم نادي إسبانيول ومؤسسة طالب الهندسة أنخيل رودريجيز رويز، ليصبح أول نادٍ يتم تأسيسه على يد الإسبان وذلك عام 1900، بعد أن كانت الأندية الإسبانية تؤسس قبل ذلك التاريخ عن طريق الإنجليز أو المغتربين من أواسط أوروبا..
ننزح إلى إيطاليا.. بلد الموضة والأزياء والفن الناعم والحضارات الصامدة.. إنتر ميلان جاء تأسيسه عقب انشقاق مجموعة من أعضاء نادي ميلان بسبب معارضتهم لسيطرة اللاعبين الطليان على الفريق.. لينهض الإنتر عام 1908 ويحمل اسم إنتر ناسيونالي، ومعناه "الدولي" ويكون بابًا مشرعًا لكل اللاعبين الأجانب في البلاد المفتوحة على كل الثقافات..
نطير إلى آخر أصقاع الدنيا.. هناك البرازيل بلاد القهوة المرتبطة بتحسين أمزجة ملايين البشر.. هناك باولو كويلو الروائي الأقرب إلى قضايا الإنسان ورومانسيته وواقعيته.. هناك يبدو لكرة القدم وجه واحد ولغة واحدة وحياة واحدة.. هناك نادٍ يدعى كورينثيانز الحاصل على كأس العالم مرتين.. هذا النادي المصدر لعشرات اللاعبين المبدعين العباقرة تأسس في الأول من سبتمبر عام 1910.. توقف خمسة عمَّال في مقتبل أعمارهم تحت فانوس وسط حي بومريتيرو على أطراف مدينة ساو باولو واتفقوا على الفكرة.. حشدوا أصدقاءهم وانضم إليهم ثمانية آخرون واختاروا الخيَّاط ميجيل باتاليا ليكون أول رئيس لهذا النادي العريق.. قال حينها سأجعل من كورينثيانز ناديًا لكل الناس.. خلال أسبوعين جمعوا تبرعات لشراء كرة قدم ومبلغ آخر لتأمين أرض يمارسون فوق ثراها هوايتهم.. انطلق النادي فعلًا وعاش ليكون أحد أبرز منارات كرة القدم في بلاد كرة القدم وحول العالم كله..
هذه حكايا وشظايا لقصص لا تنطق عن الهوى تروي مسيرة التأسيس المختصرة لأندية من شرق الأرض وغربها.. تعطي أدلة لمن أراد أن يلقي السمع وهو شهيد على أن كرة القدم ليست كيانات تجارية ناجحة.. ليست مراكز أبحاث علمية متقدمة.. ليست اختراعات ولا اكتشافات ولا ابتكارات.. ليست كل هذا.. ولهذا كان يستوجب أن يكون الحديث عن التأسيس والنشأة والولادة قضية هامشية لا تستحق الجدل والكلام والنقاش..
هل تذكرون الصبية الذين راحوا ينتظرون قدوم السفينة السويدية على شواطئ بيونس آيرس.. أم تذكرون مارادونا.. لا أحد في الأرجنتين يشجع بوكا جونيورز من أجل قصة التأسيس المدهشة.. كثيرون في الأرجنتين يعشقون البوكا من أجل مارادونا..
قصة تأسيس الأندية هنا وهناك.. القصة الناقصة.. ناقصة عقل وتدوين.. ناقصة والناقص لا يقاس عليه.. اتركوها تنام نومة أهل الكهف.. اتركوها.. كأنها الفتنة لعن الله من أيقظها..!!