|


إيجالو..نسر نيجيري حلّق فوق قارات العالم

الرياض – عبدالرحمن عابد 2022.02.05 | 06:17 pm
يستيقظ الثامنة صباحاً، يتناول قهوته السوداء، وهو يتصفح تويتر من هاتفه الذكي بحثاً عن آخر المستجدات ما بين أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، يشاهد الكؤوس والجوائز الفردية تزيّن حائط منزله أثناء إعداد مدبرة المنزل نينا وجبة إفطاره الصحية، لاحقا يلتقط الفوطة مغادراً الفيلا على قدميه سيراً باتجاه بركة السباحة، كي يستمتع بأشعة شمس الرياض الذهبية من مجمّع النخلة السكني.

على أطراف المسبح الأزرق يضع سماعته مستمتعا بالموسيقى، ويتواصل عبر مكالمة فيس تايم مع أطفاله الثلاثة صموئيل وجوليا وكريس وزوجته سونيا المستقرين في لندن، وحينما يجوع يلتهم قطعة مشوية من اللحم أو الدجاج الطازج. يسترح لفترة قصيرة ويتجهز بعدها منطلقا بسيارة الفورد إكسبيدشن الفضية 2021، إلى حي الصحافة بغرض التدريب في نادي الشباب الذي انتقل منه مؤخرا بقيمة 25 مليون ريال إلى الهلال بحسب ما أعلن الرئيس خالد البلطان.

تبدأ القصة في يوم حار، إذ ولد أوديون إيجالو 16 يونيو 1989، وسط حي أجيغونلي بالعاصمة النيجيرية السابقة لاغوس، حيث الطبيعة التي تمنح مدينته كل شيء، بداية من الثروات كالنفط والفحم والغاز، ووصولًا إلى سحر الجمال المُجسد في كهوف نحتتها أمواج المحيط الأطلسي المضطربة، رغم ذلك، لم تكن الحياة في قريته جيدة، الآلاف يعانون الفقر الشديد ويحلمون بالمغادرة، هذا دفعه للتعلق بكرة القدم، ونيسه الوحيد في بيئة لا تعترف بترفيه الأطفال، إذ الكل يتم تهيئته للعمل.

سببًا آخر جعل العشق يترسخ داخل إيجالو، فبمجرد وصوله لسن التاسعة، رأى منتخب بلاده يسحق الإسبان بثلاثية ويصعد لدور الستة عشر في مونديال فرنسا 1998، لكن حلمه اصطدم بواقع أليم، جسّده والده العاطل عن العمل، والرافض لركض ابنه في ساحات كرة القدم، حيث انتشار باعة المخدرات ومطاردات الشرطة التي لا تفرق بين لاعب وتاجر، بينما حلّت والدته المشكلة بافتتاح محل تمويني صغير لتأمين معيشتهم بواسطة بيع رقائق البطاطا والمشروبات الغازية، ووفرّت له حذاء رياضي كان أول ما ارتداه الفتى الصغير، و بعد سنوات قليلة التحق بناديي برايم ثم وجوليس بيرجر النيجيريين قبل انتقاله إلى لين البلجيكي 2007، في أول خطوة ضمن مشوار طويل.

بجسد قوي وطول فارع قادر على المراوغة وإحراز الأهداف، اتخذ إيجالو مكانه كمهاجم يقود فريقه، بشرته السمراء التي تنزف العرق ليس أكثر من تعبير عما يبذله من جهد داخل المستطيل الأخضر، وبانتهاء موسمه الأول سجّل ستة أهداف في 13 مباراة ليجذب الأنظار صوب نسر نيجيري يحلّق فوق سماء القارة العجوز، تلك الإشارة التي التقطها كشافة نادي أودينيزي الإيطالي الذي كسب في صيف 2008 خدمات اللاعب لمدة 5 سنوات، لكنه لم يستطع التأقلم، فظل حبيس دكة الاحتياط لمدة عام.

في صيف 2009 أعير إيجالو لنادي غرناطة الإسباني، ليُفك أسره الكروي ويسجل 17 هدفا تسبب في صعود فريقه للدرجة الأولى، وخلال الموسم التالي أصبح حلم الجماهير الأندلسية مواجهة ميسي وكريستيانو، آنذاك سجل الشاب الأفريقي في شباك برشلونة وأتليتكو مدريد وملقة، تلتها موجة إعارات متتالية انتهت بانتقاله إلى واتفورد الإنجليزي 2014 مقابل 8 ملايين يورو. هناك في بريطانيا لم يرحم النسر الأخضر أحدا، حيث هز شباك الكِبار، فسجّل سبعة أهداف في 11 مباراة، كما صعق ليفربول بهدفين حصل بسببهما على جائزة لاعب شهر ديسمبر من نفس العام.

بعد تلك البداية الناجحة، أُصيب إيجالو بجفاف كروي أبعده عن التهديف فترة، بعدها فاجأ الجميع بانتقاله إلى نادي تشانغتشون الصيني يناير 2017، مقابل 20 مليون إسترليني، ورغم تمكّنه من احتلال المركز الثاني في جدول التهديف، تعرّض لإساءات عنصرية كشف عنها في حوار له مع شبكة "سكاي سبورت"، موضحًا أن البعض دعوه بأسماء منفّرة بسبب لونه، وبعد تجربة قصيرة مع شنغهاي شينهوا في فبراير 2019، قرر مغادرة أرض التنين رافضًا تمديد عقده مقابل 400 ألف جنيه إسترليني أسبوعيًا، إذ صعب عليه أن يشعر بالنبذ وهو من يرفع شعار "يجب أن نكافح من أجل الإنسانية وليس اللون".

هذا الموقف الصادق، جنى ثماره في ليلة مباركة، حين تلقى اتصالًا قبل ساعات قليلة من إغلاق سوق الانتقالات الشتوية 2020، حيث طلب مانشستر يونايتد استعارة خدماته بشرط تخفيض راتبه، وفي دقائق معدودة ركب إيجالو الطائرة باتجاه إنجلترا وهو يذرف دموع الفرح حيث لم ينم إلا السادسة صباحا. وبمجرد أن لعب تحت إمرة النرويجي أولى غونار سولشاير، أثبت براعته بتسجيل هدف في شباك كلوب بروج البلجيكي ضمن الدوري الأوروبي، لحظتها كشف عن قميص يحمل صورة أخته ماري أتول التي توفيت قبل انتقاله إلى مسرح الأحلام قبل 6 أسابيع فقط قائلا: "تمنيت أن تراني الآن".

لم يحتاج النسر النيجيري البالغ 32 عاما، إلى وقت طويل للتأقلم في المملكة بأجوائها الحارة صيفا والباردة شتاء، فسرعان ما ارتدى الثوب السعودي الأبيض وشرب القهوة السعودية وبدأ بتهنئة متابعيه بكتابة "جمعة مباركة" باللغة العربية في انستغرام، وكل ما يفكر فيه خارج الملعب فعل الخير مساعدة الأطفال المحتاجين مع أن صافي ثروته تجاوزت 60 مليون دولارا، وبعد تحقيقه أحلام طفولته باللعب مع اليونايتد وانتشال عائلته من الفقر، هل يحلق إيجالو بالهلال في سماء أبوظبي من أمام الجزيرة ضمن مونديال الأندية، بعد أن نجح باصطياد أشرس فرائسه حول قارات العالم؟. إيجالو..نسر نيجيري حلّق فوق قارات العالم