|


من هو النادي السعودي الأكثر جمهورا؟ المايك مع الأستاذ الجاهل.!!

الرياض - صالح الخليف 2022.05.14 | 07:37 pm
طبعًا هناك أسئلة مترسخة في قيعان الكرة السعودية.. طبعًا أسئلة كثيرة.. أسئلة متوجسة وخجولة مذعورة تذهب بها الرياح العمياء إلى الدرك الأدنى حتى تتلاطمها الوجوه المغسولة بمياه التواقح النابعة من حنظلة تسقت المرارة الآسنة طوال حياتها.. أسئلة معتلة.. وإجاباتها مصابة بالخوف حينًا والتعفف حينًا آخر.. ونقص المصداقية في كل الأحيان..
من هو النادي السعودي الأكثر جمهورًا..؟!
أطرح هذا السؤال على الذين يحتل التعقل فراغًا في رؤيتهم للتفاصيل الصغيرة.. ثم أسمع إجابات موؤدة تحت أنقاض لا يمكن التفاهم معها بسهولة.. إجابات تشبه ملامح رجل متعب بوعيه ومنطقيته وذكائه، واضطر غير باغٍ ليسهر مع من تبقى له من أصدقاء الأمس على أنغام صوت مطرب شعبي هابط.. إجابات مرتبكة تنطق عن الهوى.. وتنطق عن الخواء.. وتكره المنطق كراهية الموت والعمى.. لن تجتاز الإجابة الصحيحة النصر والهلال المتجابهين على آفاق العاصمة الشاسعة.. ويرافقهما الثنائي المولود تحت رعاية البحر الأحمر.. السيدان اللدودان المدعوان الاتحاد والأهلي.. هؤلاء الأربعة يمتلكون بالأدلة والبراهين والأيمان المغلظة قلوب أضناها الحب والغرام والعشق الممنوع حينما تشغل كرة القدم حيزًا في اهتمامات الناس وحياتهم فتصنع أفراحهم وتشكل أحزانهم.. أن تكون نصراويًا أو هلاليًا أو اتحاديًا أو أهلاويًا فأنت تنتمي رسميًا لفريق قال عنه القائلون إنه الفريق الأكثر مناصرين ومشجعين ومؤازرين.. إنها واحدة من أوجه المساندة المتعجلة والتأييد الكفيف.. والاصطفاف وراء صوت ليس بالضرورة التيقن من موثوقيته، ولكن يكفي أن يقول لهم: ما أريكم إلا ما أرى..
أربعة عوامل لا تزيد هي بذرات تشجيع يترك لها السعوديون أراضي أفئدتهم الخصبة حتى يرويها الزمان والمواقف ومدامع الأفراح والأحزان.. أول أسباب التشجيع في السعودية هي الوراثة.. يؤثر الآباء وتؤثر الأسرة والعائلة وأبناء القبيلة على ميولك واختياراتك واتجاهاتك، لأنك ورثت الانتماء الكروي كما تتوارث أسماك القرش زرقة المحيطات وأسرارها..
وثاني العوامل هي البطولات والأمجاد والألقاب.. تصحو على الدنيا تنشد طرائق وملامح فريق يتراقص في كل عام على بلاط المنصات متلمسًا آثار الفرحة الدائمة خوفًا من تقلبات الأيام ولياليها الكالحة.. البطولات تجمع الجماهير كما تجتمع الفراشات البريئة على ضياء الأنوار الساطعة..
وثالث الأسباب هم النجوم.. نجوم كرة القدم يأسرون مشاعرك.. يأسرون أحاسيسك.. يأسرون أنظارك.. يربط هذا النجم أو ذاك ذائقتك بمهاراته وأدائه وسحره الفني المباح فتشجع الفريق الذي يرتدي نجمك المفضل قميصه حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.. في مونديال 1982 لم يستطع المنتخب البرازيلي العبور إلى نهائي كأس العالم وخرج كسيرًا حزينًا على يد الطليان.. قدمت البرازيل أفضل منتخب طوال تاريخها غيّر مفاهيم وطرائق كرة القدم.. لعب البرازيليون بأسلوب الارتداد السريع وبناء الهجمة من لمسة واحدة والوصول إلى المرمى بأي وسيلة، فسقط المشجعون أسرى حالة فاتنة مع فرقة سقراط وزيكو وفالكاو.. من ذاك المونديال منح الكرويون حول العالم كله البرازيليون رمزية الافتتان وكذلك الاحتشاد وراء أداء جماعي يمنح كرة القدم وجهًا مشعًا مشرقًا بهيًا لا يقاوم.. صار منتخب البرازيل الفريق المفضل في كل المقاهي والمدن المنسية والحواري العتيقة على امتداد خارطة الدنيا بأسرها.. العالم الكروي مغرم بالبرازيليين.. صار منتخب البرازيل أغنية الصباح وقهوة الظهيرة وحكاية المساءات العذبة.. تنعم البرازيليون بالتعاطف والمناصرة ومحبة الغرباء حتى جاء زلزال العام 1986 في المكسيك.. دييجو أرماندو مارادونا.. الشاب الأرجنتيني الذي قاد انقلابًا فلسفيًا ليغير بعدها كل المفاهيم البالية في أجواء كرة القدم.. كانوا يقولون إن كرة القدم لعبة جماعية فصحح ذلك المربوع المتمرد تجاوزاتهم وعباراتهم وآراءهم وأخطاءهم.. قال كرة القدم لعبة جماعية تعتمد أولًا وأخيرًا على الفرد.. قال لهم بلسان شاعر خليجي نبطي مبين: جيتكم واحد وجيتوني جماعة!
مارادونا ألغى فكرة جماعية كرة القدم التي كانت تعطي البرازيليين شيئًا من الخصوصية المخادعة.. ومن مارادونا انتشرت حول بلدان الأرض إمكانية تشجيع اللاعب قبل النادي.. في السعودية أصبح النجم ركيزة أساسية في معادلة التشجيع.. تشجع فريقًا من أجل لاعب.. ومن أجل عين تكرم مدينة..!
أما الضلع الرابع في معادلة التشجيع وسط مغبة المغريات الكروية المتناثرة فيتمثل في الأصدقاء.. الأطفال والمراهقون ينجرفون عادة وراء العقل الجماعي.. الأصدقاء يحددون أحيانًا ميولك وانتماءاتك وأنت تتلمس طريق البدايات.. والميول الكروية واحدة من طرق الحياة التي لا يمكن العودة باتجاهاتها المتعاكسة..
وحتى لا يستمر التجديف بعيدًا عن نقطة الالتقاء يتجدد السؤال المتواتر والمليء بالحساسية المؤذية والاختلافات والخيوط المتشابكة.. فعلًا من هو أكثر نادٍ سعودي ينعم بجماهيرية حاشدة؟
قد تكون هناك دلائل ومؤشرات ترجح كفة أحد الأربعة أمام أضداده لكنها أبدًا ليست حاسمة.. أبدًا.. أبدًا.. مؤشرات فقط ودلائل فقط.. لا يمكنها الارتقاء إلى مستوى الموثوقية أو الجزم والتأكيد.. مجرد استنتاجات وحسابات ورؤى تشبه السراب الذي يحسبه الظمآن ماء.. تشبه أشعة الشمس المتلونة بالاصفرار حينما تبدأ متوارية في الآفاق المستحيلة عند لحظات الغروب فيما يظنها الظانون أنها أقرب إليهم من حبل الوريد.. هذه إحدى المعضلات داخل الأوساط الرياضية السعودية.. إنها لغة جدلية ليس لها ترجمة مفهومة.. في مصر يتنافس الزمالك والأهلي منذ أكثر من مئة عام على كل شيء في ردهات أم الدنيا.. يتنافسان على البطولات وعلى النجوم وعلى الذكريات وعلى السباقات اللاهثة دون انقطاع.. لكن عشاق الزمالك وأنصارهم لا يضيرهم الاعتراف بأن أندادهم الأهلاويين يمثلون الشريحة الأعلى والأكثر بين المصريين.. يختلف جمهور الزمالك وجمهور الأهلي بأشياء كثيرة.. ثم يتفقون بأن الأهلي صاحب الجماهيرية الأولى والزمالك الثانية.. رفعت الأقلام وجفت الصحف..
في أوروبا الأمور تبدو أكثر وضوحًا وأكثر دقة وأكثر مصداقية.. هناك ما يمكن تسميته بجمهور المدينة وهناك أيضًا الدراسات والإحصاءات شبه الموثوقة.. في أوروبا أهل المدينة يشجعون فريقها الكبير.. ريال مدريد في العاصمة الإسبانية.. يسكن مدينة مدريد ما يزيد عن الثلاثة ملايين نسمة بقليل.. وبالمقارنة بين شعبية ريال مدريد وبرشلونة تأتي الصورة متماسكة وسط إطار غالي الأثمان.. يسكن برشلونة مليون ونصف تقريبًا.. في مدينة مدريد هناك أتلتيكو مدريد يأخذ شيئًا من جماهير العاصمة.. نفس الكلام يقال عن فريق إسبانيول في برشلونة.. قياسًا بتعداد السكان تبدو كفة الريال راجحة وبوضوح.. في عام 2014 أجرى مركز الأبحاث الاجتماعية في إسبانيا دراسة شاملة أظهرت أن ريال مدريد هو النادي الأكثر شعبية على مستوى البلاد، فيشجعه 23 مقاطعة مقابل خمس مقاطعات فقط لبرشلونة من بين خمسين مقاطعة تمثل الخارطة الإسبانية..
في ألمانيا يحلق بايرن ميونيخ بتعداد المحبين.. كشفت دراسة ميدانية عن طريق وكالة سبورت ماركت أن جماهير بايرن ميونيخ يزيدون عن عشرة ملايين مقابل ثلاثة ملايين و700 ألف لأقرب منافسيه فيردر بريمن..
وفي إنجلترا استعانت إحدى الدراسات بمراقبة حجم بيانات البحث على محرك موقع «جوجل» خلال العقد الأخير، وخلصت إلى أن ليفربول هو النادي الأكثر شعبية وبفارق ضئيل عن مانشستر يونايتد، لولا أن مانشستر هو النادي الأعلى جماهيرية حول العالم بحسب الدراسة نفسها، واتضح أن ليفربول يتفوق في بريطانيا والبرازيل والمكسيك والسعودية، بينما تميل كفة مانشستر في الأورجواي وتشيلي ومجموعة كبيرة من دول إفريقيا وبعض دول وسط آسيا وشرقها.. وفي استفتاء يعود إلى العالم 2006 اتضح أن 40 في المئة من جماهير الكرة الأرجنتينية تؤازر بوكا جونيورز مقابل 30 في المئة لمنافسه اللدود ريفر بليت..
هذه نماذج تطرح بتعجل لعلها ترسم ظلالًا يقي من شظايا تتطاير خارج دوائر لا تريد للحقيقة أن يكون لها وجوه مستقيمة.. هذا هناك حيث لا شكوك تتزاحم عند عتبات الوقائع الماثلة أمام أعين الناس.. هنا وفي روايات الأندية وجماهيرها تبدو السماء ملبدة بالغيوم.. ولا كلمة فصل يُحتكم إليها بعد المداولة..
لتكن البداية من الهلال وكيف يمكننا تتويجه بالجماهيرية الأولى.. بالطبع جمهوره يضعه حيث يريد.. يربط علاقته المتماسكة مع المجد والألقاب بثنائية المشجع والبطل.. كونه الأعلى حصيلة في دروب الذهب فإنه الأكثر جماهيرية بحسبة من يحب هذا الهلال حبًا جمًا لولا أن المسألة لا تستقيم بهذه البساطة.. هناك أسباب وعوامل أخرى ترشح الهلال ليصبح الأول.. أول والأول زين في كل حاجة.. الهلال أحد طرفي النزاع الكروي في الرياض العاصمة وأكبر المدن السعودية وأكثرها كثافة وسكانًا.. تقريبًا يتقاسم الهلاليون الاهتمامات مع نظرائهم النصراويين.. بالطبع ليس هناك أي دراسة موثوقة يمكن الرجوع إليها في هذا المجال.. في عام 2007 أجرت شركة زغبي الأمريكية استفتاء تتقصى فيه عن جماهيرية الأندية وخلصت حينها إلى نتائج تقول إن الهلال أولًا وبفارق كبير عن النصر والاتحاد والأهلي.. لكن هذا الاستفتاء قوبل بالتشكيك والرفض والتهميش ويستند المعترضون عليه إلى أسباب، أهمها أنه أجري في وقت كان النصر يعيش موسمًا كارثيًا جعله في مراتب متدنية.. ثم إنه اعتمد على طريقة لا تتناسب مع تركيبة المشجع السعودي.. والأهم إلى أن نتائجه بمجملها بعيدة تمامًا عن حدود المنطق بوضع جمهور الهلال أكثر من جماهير النصر والأهلي والاتحاد مجتمعة.. هذا شيء لا يتوافق مع الواقع.. لو كانت هذه الأرقام تلامس الحقيقة لأصبح الهلال فعلًا بعيدًا عن الجدلية الجماهيرية مع أي طرف ثانٍ سواء النصر أو غيره.. ما من دليل واحد حاسم يجعل من الهلال مغردًا خارج السرب.. الهلال الزعيم المتوج في موازين البطولات وهذا أمر لا يختلف فيه عاقلان.. البطولات تصنع الجماهير والمشجعين والمحبين لكنها ليست دائمًا تضعك الأكثر عشاقًا.. لو كانت كرة القدم بهذه البساطة وهذه الرؤية السطحية لسألنا في كل مكان عن أي الفرق أكثر إنجازات وعرفنا حينها أيها أكثر جماهيرية.. إنها معادلة سهلة وبسيطة وسريعة.. ريفربليت أكثر بطولات في الأرجنتين لكن كل الاستفتاءات والإحصاءات تؤكد أن بوكا جونيورز هو صاحب الشعبية الطاغية في بلاد الفضة..
نأتي للنصر.. ربما نصف ما يقال عن الهلال يقال بذات الطريقة وذات الأسلوب عن النصر.. يقتسم النصراويون الكعكة تقريبًا في الرياض مع بني هلال.. الرياض بسكانها الذين يناهزون السبعة ملايين نسمة تميل بهم رياح المحبة العاتية بين النصر والهلال.. منذ وقت مبكر تناصف الأصفر وأضداده السائرون وراء المراكب الزرقاء أهواء أهل الرياض الكروية.. الرياض فعليًا نصر وهلال.. التأثير الاجتماعي.. أحاديث المجالس والشوارع ومكاتب العمل وسمرة الاستراحات ومناكفات الأصحاب والأصدقاء وزملاء الدراسة والحارة.. كل هذا لا يشغله سوى الهلال والنصر.. هناك المشاحنات العائلية أيضًا.. عائلات عريقة في الرياض تعرف إما بهلاليتها وإما بنصراويتها.. بالتأكيد في الرياض هناك من يشجع الاتحاد والأهلي والشباب وغيرها وهذا له بالطبع أسبابه التي جعلتهم يتفلتون من معاقل النصر والهلال.. الذين يشجعون الاتحاد والأهلي في الرياض مثلًا أقلية مقارنة بنظرائهم الهلاليين والنصراويين.. ربما يكون أغلبهم قادمين من جدة أو المنطقة الغربية وراء فرص العمل والحياة في الرياض ونقلوا معهم عشقهم الأبدي.. هذا وجه واحد فقط لمعادلة التشجيع التي يستعصي لملمة أوراقها المتطايرة في يوم عاصف.. في عام 2018 أجرى المستشار تركي آل الشيخ استفتاءً عبر حسابه النشط على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» وطرح خلاله سؤالًا عن الفريق الأكثر جماهيرية ووسط مشاركة ما يزيد عن الأربعة ملايين ونصف حصد النصر الأولوية بـ 38 في المئة، وجاء الهلال ثانيًا بـ 34 في المئة، والاتحاد ثالثًا بـ 21 في المئة، والأهلي رابعًا بـ 7 في المئة..
احتفى النصراويون كثيرًا بذلك الاستفتاء واعتبروه شهادة هامة على شعبيتهم وجماهيريتهم الطاغية.. صالح الحمادي رئيس تحرير «الرياضية» الأسبق أعلن بعد خروجه من الصحافة أن أعلى رقم توزيع وصلت إليه الجريدة إبان توليه مسؤوليتها كان بعد مباراة فاز فيها النصر أمام الهلال.. قال بأن ذلك العدد وزع ما يفوق المئتي ألف نسخة.. هذا مؤشر على جماهيرية النصر الجارفة.. يشتري الصحف بالطبع جمهور الفريق الفائز.. أن يكون جمهور النصر سجل الرقم الأعلى في تاريخ توزيع الصحيفة المتخصصة فهذا يعطي إشارات واضحة مثل فوارق الليل والنهار.. إذا احتاج النهار إلى دليل..!!
يتسلح النصراويون أيضًا بأسطورة الكرة السعودية ماجد عبد الله ومساهمته القوية المباشرة في صناعة جماهيرية كبيرة بعد أن ظل ماجد قرابة العشرين عامًا يمثل الرقم الصعب في تركيبة الكرة السعودية وقيادته لمجموعة صنعت إنجازات البدايات الصعبة بالحصول على كأس آسيا 84 والوصول إلى أولمبياد لوس أنجلوس.. كانت الصحافة التي تسيرها أصوات هلالية تريد ترسيخ الأزرق ناديًا جماهيريًا لا ينازع، لكن الرئيس النصراوي الراحل عبد الرحمن بن سعود واجه كل تلك المحاولات بالسير في الاتجاه المعاكس وظل يصر دومًا أن ناديه هو الأول والأكثر جمهورًا على مستوى المملكة والخليج.. لا الهلاليون عندهم دليل يقطع الشك باليقين.. ولا عبد الرحمن بن سعود يملك قبسات من بصيرة أو حججًا يهتدي بها.. كلاهما يريد كسب القضية على طريقة المحامي الذي لا يملك إلا صوته كما فعل عادل إمام في فيلم «خلي بالك من جيرانك».. وقف أمام القضاة ليدافع عن الرجل الذي قتل جاره ولم يدرس القضية المعقدة وظل يردد «ماذا أقول.. ماذا أقول»..
في منتصف التسعينيات تنبه الاتحاديون إلى مكان قصي لا يسمع فيه سوى صرخات تتفاخر بالهلال والنصر.. كانت مدرجات مبارياتهم تكتظ عن بكرة أبيها بالحاضرين.. صوت صالح القرني يصدح في فضاء عليل مترطب بنسائم البحر الأحمر.. «أوووه يا إتي يا موج البحر»..
عز عليهم أن كل هذا الحضور الطربي لا يكون هو الأول.. قالوا جماهيرنا هي الأولى.. طبعًا ساروا على خطى النصر والهلال.. أليس كلامًا في الهواء الطلق..؟ وليس على الكلام حساب..!!
استند الاتحاديون على الأرقام المكتسبة من حضور المباريات.. عوامل كُثر لا تترك من تعداد المشجعين الجالسين على مدرجات الملاعب دليلًا قاطعًا على وفرة الجمهور أو قلتهم.. الطقس والتوقيت وصخب التنافس تتدخل بشكل مباشر في تحديد مستويات الحضور.. مباراة النصر والهلال الأخيرة في الدوري لم تحظَ بحضور يوازي جماهيرية الفريقين وتنافسيتهم المجلجلة.. قبل عامين صعد فريق العدالة من الأحساء إلى دوري المحترفين لأول مرة في تاريخه وفي أول مواجهة على أرضه أمام ضمك تجاوز الحضور «11» ألف متفرج.. بعد النتائج السلبية التي ألمحت إلى أن العدالة في طريقه للمكان الذي جاء منه لم تعد الجماهير تحضر مباريات العدالة.. هبط العدالة ولم يبقَ منه في ذاكرة المتابعين سوى أولئك الـ 11 ألف مشجع..
تتمتع جدة بطقس معتدل لطيف في عز المنافسات بعكس المدن الأخرى ومن بينها الرياض التي تتدنى فيها درجات الحرارة الأمر الذي لا يغري المشجع كثيرًا بالذهاب إلى الملعب سوى في مباراة قوية وحاسمة.. ثم إن الحضور أيضًا يعتمد على البدائل.. الذي ليس لديه بديل سوى الملعب سيذهب لمتابعة فريقه هناك.. هذا شيء تتشابك فيه الخيوط ويطول شرحه.. يكفي الإشارة إليه بالتلميح.. ما يقال عن ماجد في النصر وبدرجة أقل يقال عن محمد نور في الاتحاد.. هذا النجم الأسطوري ساهم وبقوة في صناعة جمهور اتحادي.. ظل نور علامة فارقة وبارزة ومتقدمة في ترجيح كفة العميد التسعيني بعشر بطولات تقريبًا.. قبل محمد نور كان كل من مر على الاتحاد مجرد لاعب يتأرجح مع الواقفين بجواره زيادةً أو نقصانًا..
يأتي الأهلي.. هو كذلك يقتسم غنيمة الجماهير مع الاتحاد في جدة.. ربما يكون أقل.. ربما يكون أكثر بقليل.. الغياب الأهلاوي الطويل عن بطولات الدوري التي امتدت لثلاثين عامًا وسط تواري نجوم أخّاذة ما جعل للأهلاويين مجالًا لخوض المزاعم مثل غيرهم.. ترسبت هي الأخرى أصوات أهلاوية تشارك حينًا في زحام الهلال والنصر والاتحاد على نار تحت الرماد لا تبتغي من ينفخها لأنها تشتعل تلقائيًا جراء رياح لا تملك خارطة طريق محددة.. يقول أستاذ الفلسفة الوجودية سقراط.. العاقل يتروى.. العالم يشك.. والجاهل يؤكد.. وما أكثر المؤكدين الذين يقولون أن أكثر الجماهير هلالية أو نصراوية أو اتحادية أو أهلاوية تحقيقًا لغاية ليست متعصبة أو متطرفة مثلًا.. لكنها فقط جاهلة.. والجاهل عدو نفسه.. بقدر ما هو عدو لأعدائه.. ولو تكلمت الحقيقة لاكتفت ببيت قاله الشاعر الجاهلي الكبير عمرو بن كلثوم قبل ألف وخمس مئة عام:
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
لكن الحقيقة للأسف عاقلة.. ومشغولة بما هو أهم.. أهم من الردود على جوقة استعانت ببيت آخر لنفس الشاعر الجاهلي ونفس القصيدة الجاهلية:
إذا بلغ الفطام لنا صبيٌ
تخر له الجبابر ساجدينا
نريد معرفة الفريق الجماهيري الأول.. ثم نضطر ونسارع الخطى ونستعين بأبيات شعر لعمرو بن كلثوم وكلام كوميدي قاله عادل إمام.. لكن أين الأرقام.. لا شيء سوى الجهل.. والأوهام.. والله حرام..!!