|
|


كوزمين كونترا.. القنبلة التي قد تنفجر في أي لحظة

الرياض - عبدالرحمن عابد 2022.05.22 | 05:47 pm
يتذكره مواليد الثمانينات وعشاق السهرات الأوروبية الصاخبة، في بداية الألفية، بطبيعته البركانية النارية وعزيمته الفولاذية داخل الملعب، حيث جمع المدافع الأيمن دهاء الطليان ومرونة الإسبان، وساعده انضباطه على تحقيق أحلامه إبان الاحتراف الخارجي، مجسدًا المثل الروماني الشهير «من يخف الموت يخسر الحياة».

وُلد كوزمين كونترا في 15 ديسمبر عام 1975، لأبوين من الطبقة المتوسطة، هناك في مدينة تيميشوارا الواقعة غرب رومانيا بالقرب من الحدود مع المجر وصربيا، والتي كانت في القرن الثاني عشر عاصمة المملكة المجرية، قبل دخولها الإمبراطورية العثمانية لمدة قرنين، ثم مستعمرة تناوب عليها الحلفاء ودول المحور في الحرب العالمية الثانية، غير أنها كانت وقود شرارة الثورة التي قضت على نيكولاي تشوتشيسكو ونظامه الشيوعي عام 1989، والآن تعد الوجهة المفضلة للسياح الأجانب رومانيا، بتراثها المعماري الأوروبي، الذي يجمع بين عبق التراث القديم وبين الكلاسيكية الجديدة، مع عشرات المحميات الطبيعية والبحيرات والكهوف وحضن الطبيعة الخلابة، ويكفي أن المدينة أنجبت مخترع آلة القهوة الشهير فرانشيسكو إيلي.

بدأ كوزمين يستكشف موهبته عام 1993 مع فريق بوليتكنيكا المحلي، حيث قضى ثلاث سنوات تعلم خلالها القواعد الأساسية لكرة القدم ومركزه المفضل كظهير الأيمن، لينتقل بعد 3 سنوات للغريم اللدود دينامو بوخارست، الذي كان بوابته الحقيقية نحو عالم الأضواء والشهرة، حتى أنه احتاج عامين فقط لخطف أنظار كشافة ديبورتيفو ألافيس الإسباني، ليحصلوا على توقيعه مقابل 800 ألف دولار في شتاء 1999، ويصبح فيما بعد جزء من المغامرة التاريخية، بمقابلة ليفربول في نهائي كأس الاتحاد الأوروبي عام 2001، تلك المباراة التي انتهت بفوز أصدقاء ستيفن جيرارد ومايكل أوين بنتيجة 5-4، وروى عنها كونترا ببساطة في مقابلة مع ليبر تاتيا" المحلية: «بسبب الخرافات، رفضت ارتداء الزي الرسمي، ذهبت إلى ملعب دورتموند بجينز ممزق، وعندما رأينا أناقة ليفربول.. قلنا يا رب من جاء ليلعب النهائي، كان حلما وواحدة من أفضل المباريات في حياتي».

بعد ليلة «سيجنال أيدونا بارك» المثيرة، وقع على عقد انتقاله إلى ميلان الإيطالي، في صفقة تخطت حاجز الـ1.2 مليون دولار، مع ذلك لم تسِر الأمور على النحو المتوقع، بل عاد إلى المربع صفر، بتهميشه من قائمة الروسونيري الأوروبية في موسمه الأول، ثم بالمعركة الدموية مع متوسط ميدان يوفنتوس الأسبق إدجار ديفيد، التي نشبت إثر التحام الأخير مع جاتوزو، ثم تطورت إلى قتال شوارع في الطريق المؤدي لغرفة خلع الملابس، عقب طردهما من قبل حكم المباراة الودية ماسيميليانو ساكاني، في واقعة عجلت بعودته إلى إسبانيا عبر بوابة أتلتيكو مدريد، ويقول عنها حتى الآن «أستطيع القول إنه يمكن اعتباره فائزًا، لكني لم أعتقد أبدًا أن يكون في الدوري الإيطالي أقبح من ديفيد».

دخل كوزمين في دوامة مع الانتكاسات على مستوى كاحل القدم، ليرسله فريق الهنود الحمر إلى وست بروميتش ألبيون على سبيل الإعارة عام 2004، باصمًا على واحدة من أفشل تجاربه، خرج منها بـ6 مشاركات، وبطاقة حمراء وهزيمة مذلة بالخمسة أمام ليفربول، وتبعها بإعارة أخرى للنادي الذي بدأ فيه مسيرته في مسقط رأسه، بهدف الحفاظ على مكانه في تشكيل منتخب بلاده، قبل أن تبتسم له الحياة، بإحياء مسيرته مع خيتافي بمباركة المدرب الاسكندينافي مايكل لاودروب، بعدما أجبرته الظروف على إلغاء صفقة ألفونسو بيريز، لكثرة الأجانب المسجلين من خارج الاتحاد الأوروبي، معها أصبح كل شيء تاريخ، بحصول كونترا على جائزة أفضل لاعب في فريق الضاحية المدريدية عامي 2007و2008، لمساهمته في وصول الفريق لنهائي كأس الملك مرتين، واحدة ختمها في مركز حراسة المرمى بعد طرد الحارس الأرجنتيني روبرتو أبوندانزييري.

تبقى لحظات كوزمين الأصعب في حياته، حين أخبره مدربه في خيتافي مايكل لاودروب، بوفاة الوالد، بعد صراع طويل مع مرض السرطان، وكان ذلك قبل ساعات من مواجهة أثينا في الدوري الأوروبي، وبعد بكاء دام أكثر من ساعة، قرر كونترا خوض المباراة، متذكرا نصيحة الأب فاسيلي: «جلست وفكرت فيما يريد أبي أن أفعله. في المرة الأخيرة التي عدت فيها إلى المنزل، أخبرني أنه يريدني أن ألعب هذا ما أراده الله، حتى أخصص له هدفًا في تلك الليلة»، حين أبكى أوروبا بإيماءته العاطفية ودموعه في تفاعله مع هدفه في الفريق الإغريقي.

في العام التالي لرحيل الوالد، فضّل كوزمين العودة إلى فريق مسقط رأسه، الذي كان يلعب في دوري القسم الثاني عام 2010، على حساب دينامو بوخارست، وذلك لمساعدة والدته على الخروج من حالة الاكتئاب التي أصابتها بفقدان شريكها قبل ميلاده الـ55، مضحيا بسعادته الشخصية مع زوجته ألينا لاعبة كرة اليد وطفليه سارة وأليكس الذين تركوا منزلهم الفاخر في مدريد ومدرستهم البريطانية الراقية، ومع ذلك ينسب لها الكثير من الفضل، بقوله: "إنها ذكية، بدونها لن أكون حيث أنا الآن. وهو حاليا على ذمة "أوتو بيلد" يملك أسطول سيارات مميزة وعقارات حديثة.

وصفته شبكة «فافل» بـ «أسطورة خيتافي» وأحد أعظم أساطير رومانيا في كل العصور، وهو شخصيا ما زال يتفاخر بهدفه السينمائي في مرمى إنتر في ديربي ميلانو عام 2001، ولوحته الإبداعية التي رسمها بمراوغة 3 لاعبين من بايرن ميونخ، ثم بهدف أسطوري في مرمى أوليفر كان في ربع نهائي كأس الاتحاد الأوروبي، ولا ينسى خسارة رهان مع رديف ألافيس، على إثره تكفل بوجبة لزملائه على مدار شهر، بعد أسبوعين من الطعام المجاني، ومن كرمه الزائد، ترك 5000 يورو في ظرف مباركة زفاف صديقه النجم السابق أدريان موتو، أما تجاربه التدريبية بدأت أواخر 2010، مع خيتافي وقوانغتشو الصيني، ودينامو بوخارست ومنتخب بلاده.

لم يتفاءل مشجعو الاتحاد بقدومه في سبتمبر 2021، ولكن كوزمين أوضح للجميع بأنه يحفظ شوارع جدة جيدا، ويفهم قواعد الفوز على ملعبي الفيصل والجوهرة، ورغم أنه لم يلعب المزمار أو يأكل المعصوب في الهنداوية أو يتلذذ بأسماك سوق الندى، إلا أنه يثبت كل يوم بأن حمضه النووي جداويا بامتياز، إذ لا يعرف الحديث بنبرة منخفضة، حماسي بجنون، ينفعل عند كل خطأ، ينفجر في الجماهير لكسب تعاطفهم، ويحتضن اللاعبين بحب، روما وزياد والبيشي والعبود، خاصة حمدان الذي يعاقبه ويمازحه في آن واحد، ويقال إن كوزمين وعد أبو عطية، بفعل أي شيء من أجله، بشرط تجاوز الهلال والتتويج بالدوري.