|


محمد المسحل
الدموع الغالية..
2022-09-09
قبل أيام، رأيت مقطعًا مؤلمًا لطفل، لا يتعدى عمره السادسة أو السابعة، يبكي بحرقة في مدرج جمهور أحد الأندية بعدما سجَّل فريقه المفضَّل هدفًا في مرمى الفريق الآخر، ولم يكن بكاؤه تعبيرًا عن فرحة فحسب، بل وعن قهر وحزن وألم وأسى في وقت واحد، أيضًا.
من المؤلم، بمكان وبزمان، أن يُحاط هذا الطفل البريء، الذي لا يحتمل قلبه وعقله قسوة مثل هذه المشاعر الجيَّاشة الثقيلة، بمجتمع داخل بيته وخارجه، جعل منه قنبلةً عاطفيةً، تتفجَّر صراخًا وبكاءً على أمر رياضي بحت، وُجِدَ ليرفِّه عنه لا العكس.
هذه الرياضة الشعبية الجميلة، التي تزيِّن لملايين الشعوب عطلة نهاية أسبوعهم بعد ملل روتين أيام العمل والدراسة، حيث ينتظرونها للترفيه والاسترخاء والاستمتاع بنزهة، أو زيارة، أو حضور مباراة في ملعب، أو حتى من وراء شاشات التلفاز، حوَّلها بعضهم تدريجيًّا “بسبب التعصب الجاهلي وغير المجدي” إلى عطلة نهاية أسبوع مليئة بالشد العصبي، والنكد والحزن، والسب والقذف، والتهديد والتنديد، وكل ذلك من أجل فريق مرخَّص من قِبل وزارة الرياضة للتنافس على لعبة رياضية، لا يعرف أحدٌ من مسؤوليه أو لاعبيه أي شيء عن شدِّك وحماسك وصراخك وبكائك ولومك، ولا حتى عن مصائبك الصحية والقانونية التي قد تسقط فيها بسبب كل ذلك! والمصيبة الأكبر هو تمرير كل هذه السلبية إلى عقول وقلوب الأطفال، وتحويلهم إلى قنابل عاطفية موقوتة، تنفجر حتى قبل السن التي تعينهم على ذلك.
الحماس في الرياضة مطلوبٌ، بل إنه الوقود الذي يجعل أي رياضة من الرياضات مقبولةً ومطلوبةً اجتماعيًّا وتجاريًّا، وتخلق من خلاله الزخم المطلوب لتكون أحد خيارات الترفيه، “ووساعة الصدر” التي يستفيد منها الممارس والمتابع وغيرهما من شرائح المجتمع التي تعتمد على صناعة الرياضة، لكنه إن ابتعد عن الروح الرياضية والأخلاق، وتحوَّل إلى أمر يدعو للهم والنكد والعنف الاجتماعي بأوجهه المختلفة، وأصبح بابًا للقذف والسب والاتهام وتخيُّل المؤامرات، وخسارة الصحة والسمعة، وإيذاء الأهل بحجة تعكر المزاج، وحقن الأطفال بالغبن والكره والأحقاد، وتحويل الرياضة لتكون مبنيةً على مبدأ “الحياة أو الموت”، فهو بذلك يكون معول هدمٍ للنفس والصحة، والأهل والسمعة، ومستقبل الأطفال.
عندما تنوي الاقتداء بالأمم المتقدمة كرويًّا من الناحية الفنية، يجب أيضًا أن تقتدي بالأمم التي يقف جمهورها في نهاية المباريات مصفقًا لجميع اللاعبين الموجودين في الملعب، والأطقم التي تُخرِج لك المباراة من حكام وأجهزة فنية وإعلامية، وليس الصراخ والبكاء والعويل والسب ورمي ما تصل له اليد إلى ساحة الملعب.